ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

الربع الثاني من الحزب السابع والأربعين
في المصحف الكريم
في مطلع هذا الربع تتناول الآيات البينات وصف عدة أصناف من أهل الزيغ والضلال، فتسجل ما كانوا عليه من سوء الحال في الدنيا، وتتنبأ بما سيتعللون به من أتفه الأسباب والعلل في الدار الآخرة، فمنهم الساخر المستهزئ الذي كان يتهكم على الوحي والرسالة والإيمان، ويعتبر الحياة التي يقضيها مجرد مهزلة ومسخرة، بحيث لا يلزم التفكير فيما وراءها، ولا الاستعداد لما بعدها. ومنهم الفاسق الغارق في أوحال الفسق، والمتردي في مهاوي الفساد طيلة حياته، دون أن يحاول إصلاح حاله، فضلا عن أن يفكر في مصيره، ومنهم المسيء إلى نفسه وإلى الناس، المتجني على شخصه وعلى المجتمع، دون أن يفكر في اكتساب حسنة أو إسداء إحسان، حتى إذا فارقوا الدنيا وأتاهم اليقين أخذوا يعضون بنان الندم، ويحاولون أن يبرروا أمام أنفسهم وأمام الله مواقفهم الشاذة، وأعمالهم المنكرة.
فالساخر المتهكم يدرك حينئذ أن الأمر أمر جد لا هزل، ويتيقن أنه قد فرط في حق الله، فتذهب نفسه حسرات، ويقول فيما تحكي عنه الآية : يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين( ٥٦ ) ، لكن ماذا تنفعه الحسرة، وماذا يجديه الاعتراف بعد فوات الإبان ؟.
والفاسق الذي أحاطت به سيآته من كل جانب يحاول أن يجد له تكأة يتكئ عليها في عقيدة " الجبرية والقدرية " فيقول فيما تحكي عنه الآية : لو أن الله هداني لكنت من المتقين( ٥٧ ) ، وهذه تعلة كافة الفساق والمنحرفين، في جميع العصور والأزمان، كأن الله لم يبعث الرسل، وكأنه لم يمنح للناس جميعا ملكة العقل والتمييز، - وهي الميزان الذي يزنون به حقائق الأشياء-، ووحي الوجدان والضمير، ليختاروا طريق الهدى، ويتجنبوا طريق الضلال، " وهديناه النجدين ".
والمسيء الذي لم يعرف في حياته طريق الحسنة والعمل الصالح، ولم يتمتع أبدا بلذة الإحسان والبر، يتمنى العودة إلى الدنيا ليدارك ما فات، وهيهات هيهات، فيقول فيما تحكي عنه الآية : لو أن لي كرة فأكون من المحسنين( ٥٨ ) .
وأمنية العودة إلى الدنيا بعد الإقامة في دار العذاب هي أمنية جميع المسيئين، الذين يظلون طيلة حياتهم سكارى بعبادة أنفسهم وشهواتهم، حتى إذا ما حلوا بدار الجزاء ندموا على ما ضيعوا من الفرص في دار العمل، فالواجب على كل إنسان عاقل أن يبادر لاستثمار وقته- مادام في الحياة الدنيا- استثمارا جديا، يضمن له الأمن والنعيم، عندما ينتقل إلى الدار الآخرة، وذلك بإتباع النهج القويم، الذي رسمه لله لسلوك الصالحين من عباده، وبالتنازل عن مرضاة النفس الأمارة بالسوء، في سبيل مرضاة الله ورسوله، وإلى هذه المعاني وما يتصل بها يشير قوله تعالى : وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون( ٥٤ ) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون( ٥٥ ) أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين( ٥٦ ) أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين( ٥٧ ) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين( ٥٨ ) .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير