ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ

واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون ؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام :
فالأول :( قوله : أَنْ تَقُولَ ) ١ مفعول من أجله فقدره الزمخشري : كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولَ٢، ( وابن٣ عطية : أنيبوا من أجل أن تقول٤، وأبو البقاء٥ والحَوْفيّ٦ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أن تقول ) ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل٧ مع وجود «أَنِيبُوا ». وإنما نَكَّر نفساً لأنه أراد التكثير كقول الأعشى :
٤٣٠٤- وَرُبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ. . . أَتَّانِي كَرِيمٌ يَنْغضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا٨
يريد أتاني ( كرام٩ كثيرون لا كريم فَذٌّ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز أن يريد نفساً متميزة عن الأنفس ) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب العظيم.
قوله : يا حسرتا العامة على الألف بدلاً من ياء الإضافة، وعن ابن كثير : يَا حَسْرَتَاه بهاء١٠ السكت وَقْفاً وأبو جعفر يَا حَسْرَتي على الأصل١١، وعنه أيضاً : يَا حَسْرتَايَ بالألف والياء١٢. وفيها وجهان :
أحدهما : الجمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْهُ١٣.
والثاني : أنه تثنية «حَسْرَة » مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا بأنه كان ينبغي أن يقال : يَا حَسْرَتَيَّ- بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة - وأُجِيبَ : بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحَرْثِ بن كَعْب وغيرهم نحو : رَأَيْتُ الزَّيْدَانِ١٤، وقيل : الألف بدل من الياء والياء ( بعدها )١٥ مزيدة.
وقيل : الألف مزيدة بين المتضايفين١٦ وكلاهما ضعيف.
قوله :«عَلَى مَا فَرَّطت » ما مصدرية أي على تَفْريطي، وثمَّ مضاف أي في جنب طاعة الله١٧، وقيل : في جنب الله المراد به الأمر والجِهَةُ يقال : هُوَ في جَنْبِ فُلاَنٍ وَجانِبِهِ أي جِهَتِهِ ونَاحِيَتِهِ١٨ قال :
٤٣٠٥- النَّاسُ جَنْبٌ وَالأَمِيرُ جَنْبُ١٩. . .
وقال آخر :
٤٣٠٦- أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلاَمةً. . . سُلَيْمَى لَقَدْ كَانَتْ مَلاَمَتُهَا ثِنَى٢٠
ثم اتسع فيه فقيل : فَرّط في جَنْبِهِ أي في حَقِّه، قَالَ :
٤٣٠٧- أَمَا تَتَّقِينَ اللًَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ. . . لَهُ كَبْدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطّعُ٢١
( فصل )
المعنى : أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول٢٢ : نفس كقوله : وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ [ النحل : ١٥ ] و [ لقمان : ١٠ ] أي لئَلاَّ تَمِيدَ بكم، قال المبرد : أي بَادِرُوا وَاحذَرُوا أنْ تَقُولَ نفس٢٣، قال الزجاج : خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتنا٢٤، والتحسر الاغْتمَام على ما فات٢٥، وأراد : يا حَسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة فتقول : ياَ وَيْلَتَا، ويَا نَدَامَتَا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة٢٦ كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل : معنى قوله : ياحسرتا أي يا أيَّتُهَا الحَسْرَةُ هذا وَقْتُكِ٢٧. على ما فرطت في جنب الله . قال الحسن : قَصَّرْتُ في طاعة الله، وقال مجاهد : في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، وقيل : قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب تسمي الجنب٢٨ جانبا.
ثم قال : وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين المستهزئين بدين الله، قال قتادة ولم يكفه أن ضيع٢٩ طاعة الله حتى جعل السخر٣٠ بأهل طاعته، ومحل «وَإنْ كُنْتُ » النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخْرَتِي.

١ ساقط من ب..
٢ الكشاف ٣/٤٠٤..
٣ ما بين القوسين كله ساقط من ب..
٤ البحر المحيط ٧/٤٣٥..
٥ التبيان ١١١٢..
٦ نقله صاحب البحر في المرجع السابق..
٧ في ب العالم خطأ وتحريف وانظر: الدر المصون ٤/٦٥٧..
٨ البيت له من الطويل والبقيع: الأرض المتسعة، وبها أصول شجر وجوه: أي داخله، وقد شرحه المؤلف أعلى. وشاهده "كريم" منكرا حيث لا يقصد كريما بعينه وإنما يقصد كثيرين كما بينه أعلى. وانظر : الكشاف ٣/٤٠٤ والبحر ٧/٤٣٥ والقرطبي ١٥/٢٧٠ وديوان الأعشى ٨..
٩ ما بين القوسين كله ساقط من "أ" الأصل وتكملة من ب فالتصحيح من ب..
١٠ ذكرها ابن خالويه في المختصر ١٣١ والسمين في الدر ٤/٦٥٧، كما ذكر عن عاصم "يا أسفاه" صاحب المختصر أيضا..
١١ المرجعين السابقين وانظر أيضا الإتحاف ٣٧٦، والمحتسب ٢/٢٣٧..
١٢ المراجع السابقة..
١٣ قاله أبو حيان في البحر ٧/٤٣٥ وابن جني في المحتسب ٢/٢٣٨ والسمين في الدر ٤/٦٥٧..
١٤ هذا كلام أبي الفضل الرازي صاحب اللوامح نقله عنه صاحب البحر ٧/٤٣٥ وانظر أيضا الدر المصون ٤/٦٥٨..
١٥ سقط من "ب". وقد نقل هذا الرأي ابن جني في المحتسب ٢/٢٣٨ ونقله السمين في الدر ٤/٦٥٨..
١٦ المرجع الأخير السابق..
١٧. نقله صاحب الكشاف ٣/٤٠٤ وانظر أيضا الخصائص ٣/٢٤٧..
١٨ نقله أبو حيان في البحر ٧/٤٣٥ والسمين في الدر ٤/٦٥٨.
١٩ من الرجز ومعناه أن الممدوح في جنب يساوي جنب الآخرين من الخلق كلهم واستشهد بالبيت على أن معنى الجنب الجهة والناحية. وانظر اللسان: "جنب" ٦٩٢ والبحر ٧/٤٣٥ والقرطبي ١٥/٢٧٢ و ٢٧١ وقبله:
قسم مجهودا لذاك القلب.

٢٠ هذا البيت من الطويل ويعزى لكعب بن زهير كما قال ابن منظور في اللسان. وشاهده "جنب بكر" حيث استعمل بمعنى الجهة والناحية. وانظر: البحر المحيط ٧/٤٣٥ والدر المصون ٤/٦٥٨ واللسان: "ثنى" وملحقات ديوان أوس ١٤١ وغريب الحديث لابن سلام ١/٩٨ وديوان كعب ١٢٨..
٢١ البيت مختلف في نسبته، فقد نسبه القرطبي في الجامع ١٥/٢٧١ إلى كثير، ونسبه الزمخشري في الكشاف وأبو حيان في البحر إلى سابق البربري. وشاهده أن الجنب هنا بمعنى الحق والبيت كما هو واضح من الطويل كسابقه، ويروى: في جنب وامق بدل من عاشق. وانظر: ديوان كثير ٧٣ والكشاف ٣/٤٠٤ وشرح شواهد الكشاف ٤٥١ ومجمع البيان ٧/٧٨٦ والبحر المحيط ٧/٤٣٥..
٢٢ هذا التقدير للكوفيين لأن تقول أو لئلا تقول وعند البصريين حذرا أن تقول انظر: القرطبي ١٥/٢٧٠..
٢٣ البغوي في معالم التنزيل ٦/٧٢..
٢٤ قاله في معاني القرآن وإعرابه ٤/٣٥٩..
٢٥ البغوي السابق..
٢٦ السيوطي في الهمع ١/١٨١..
٢٧ نقله البغوي في المرجع السابق..
٢٨ السابق وانظر أيضا لباب التأويل للخازن ٦/٨٢..
٢٩ في ب يضيع..
٣٠ في ب يسخر..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية