أَن تَقُولَ نَفْسٌ يا حسرتي على مَا فَرَّطَتُ في جَنبِ الله قال البصريون : أي حذراً أن تقول. وقال الكوفيون : لئلا تقول. قال المبرد : بادروا خوف أن تقول، أو حذراً من أن تقول نفس. وقال الزجاج : خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها : يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله. قيل : والمراد بالنفس هنا : النفس الكافرة. وقيل : المراد به التكثير كما في قوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ [ التكوير : ١٤ ] قرأ الجمهور : يا حسرتا بالألف بدلاً من الياء المضاف إليها، والأصل : يا حسرتي، وقرأ ابن كثير :" يا حسرتاه " بهاء السكت وقفا، وقرأ أبو جعفر :" يا حسرتي " بالياء على الأصل. والحسرة : الندامة، ومعنى على مَا فَرَّطَتُ في جَنبِ الله على ما فرّطت في طاعة الله، قاله الحسن. وقال الضحاك : على ما فرّطت في ذكر الله، ويعني به القرآن، والعمل به. وقال أبو عبيدة : فِى جَنبِ الله أي في ثواب الله. وقال الفراء : الجنب القرب والجوار، أي في قرب الله وجواره، ومنه قوله : والصاحب بالجنب [ النساء : ٣٦ ]، والمعنى على هذا القول، على ما فرّطت في طلب جنب الله، أي : في طلب جواره، وقربه، وهو : الجنة، وبه قال ابن الأعرابي، وقال الزجاج : أي فرّطت في الطريق الذي هو : طريق الله من توحيده، والإقرار بنبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا، فالجنب بمعنى : الجانب، أي : قصرت في الجانب الذي يؤدّي إلى رضا الله، ومنه قول الشاعر :
* للناس جنب والأمير جنب *
أي الناس من جانب، والأمير من جانب وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين أي وما كنت إلا من المستهزئين بدين الله في الدنيا، ومحل الجملة النصب على الحال.
قال قتادة : لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها.
وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ثوبان : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«ما أحبّ أن لي الدنيا، وما فيها بهذه الآية : قُلْ يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ » إلى آخر الآية، فقال رجل : ومن أشرك ؟، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، قال :«ألا، ومن أشرك ثلاث مرات». وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم، وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ :«يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله : إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم». وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود : أنه مرّ على قاض يذكر الناس، فقال : يا مذكر الناس لا تقنط الناس، ثم قرأ : يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال : قال عليّ : أيّ آية أوسع ؟، فجعلوا يذكرون آيات من القرآن وَمَن يَعْمَلْ سُوءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ النساء : ١١٠ ] الآية، ونحوها، فقال علي : ما في القرآن أوسع آية من يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ الآية قال : قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة يقول لهؤلاء : أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ [ المائدة : ٧٤ ] ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولاً من هؤلاء من قال أَنَا رَبُّكُمُ الأعلى [ النازعات : ٢٤ ]، وقال : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى [ القصص : ٣٨ ] قال ابن عباس : ومن آيس العباد من التوبة بعد هذا، فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَن تَقُولَ نَفْسٌ قال : أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وعلمهم قبل أن يعلموا.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني