حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ) قال: الإنابة: الرجوع إلى الطاعة، والنزوع عما كانوا عليه، ألا تراه يقول: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ).
وقوله: (وَأَسْلِمُوا لَهُ) يقول: واخضعوا له بالطاعة والإقرار بالدين الحنيفي (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ) من عنده على كفركم به.
(ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) يقول: ثم لا ينصركم ناصر، فينقذكم من عذابه النازل بكم.
وقوله: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) يقول تعالى ذكره: واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه، وذلك هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا.
فإن قال قائل: ومن القرآن شيء وهو أحسن من شيء؟ قيل له: القرآن كله حسن، وليس معنى ذلك ما توهمت، وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر، والمثل، والقصص، والجدل، والوعد، والوعيد أحسنه أن تأتمروا لأمره، وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه، فذلك وجهه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) يقول: ما أمرتم به في الكتاب (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ) قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً) يقول: من قبل أن يأتيكم عذاب الله فجأة (وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) يقول: وأنتم لا تعلمون به حتى يغشاكم فجأة.
القول في تأويل قوله تعالى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا
فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) }
يقول تعالى ذكره: وأنيبوا إلى ربكم، وأسلموا له (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ) بمعنى لئلا تقول نفس (يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ)، وهو نظير قوله: (وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) بمعنى: أن لا تميد بكم، فأن، إذ كان ذلك معناه، في موضع نصب.
وقوله (يَا حَسْرَتَا) يعني أن تقول: يا ندما.
كما محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: (يَا حَسْرَتَا) قال: الندامة، والألف في قوله (يَا حَسْرَتَا) هي كناية المتكلم، وإنما أريد: يا حسرتي، ولكن العرب تحوّل الياء فى كناية اسم المتكلم في الاستغاثة ألفا، فتقول: يا ويلتا، ويا ندما، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربما قيل: يا حسرة على العباد، كما قيل: يا لهف، ويا لهفا عليه، وذكر الفراء أن أبا ثَرْوان أنشده:
| تَزُورُونَهَا وَلا أزُورُ نِسَاءَكُمْ | ألْهفَ لأوْلادِ الإماء الحَوَاطِبِ (١) |
| يَا رَبّ يا رَبَّاهُ إيَّاكَ أسَلْ | عَفْرَاءَ يا رَبَّاهُ مِنْ قَبْلِ الأجَلْ (١) |
وقوله: (عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) يقول على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به، وقصرت في الدنيا في طاعة الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال. ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد في قوله (يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) يقول: في أمر الله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال. ثنا ورقاء جميعا، عن أبن أبي نجيح، عن
| يا مَرْحباهُ بِجِمارِ ناهِيةْ | ذَا أتى قَرَّبْتُهُ للسَّانِيَهْ |
* يا مرحباه بجمار ناجيه، مما لا معرج عليه للقياس، واستعمال الفصحاء. ومعذرة من قال ذلك: أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، مع تشبيه هاء الوقف بهاء الضمير. اهـ.
مجاهد، في قول الله: (عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قال: في أمر الله.
حدثنا محمد، قال. ثنا أحمد قال ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: (عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قال: تركت من أمر الله.
وقوله: (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) يقول: وإن كنت لمن المستهزئين بأمر الله وكتابه ورسوله والمؤمنين به.
وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتاده في قوله: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) قال: فلم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله، قال: هذا قول صنف منهم.
حدثنا محمد، قال. ثنا أحمد، قال ثنا أسباط، عن السديّ (وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) يقول: من المستهزئين بالنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وبالكتاب، وبما جاء به.
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر