فردَّ الله عليهم بقوله : بلى قد جاءتك آياتي فكذَّبتَ بها واستكبرتَ وكنتَ من الكافرين أي : قد جاءتك آياتي، وبيّنت لك الهدايةَ من الغواية، وسبيلَ الحق من الباطل، فتركت ذلك، وضيعت، واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به، وإنما جاء التضييع من قِبلك، فلا عذر لك.
و " بلى " : جواب لنفي مقدر، وهو نتيجة القياس الاستثنائي، أي : لو أن الله هداني لاهتديتُ وكنت متقياً، لكنه لم يهدني، وإنما أخّره ؛ لأنه لا بد من حكاية أقوال النفس على ترتيبها، ثم يذكر الجواب في الجملة. والله تعالى أعلم.
وهو معنى قوله : أن تقول نفس كانت مُقصِّرة في الدنيا : يا حسرتا على ما فرطتُ في جنب الله أي : في السير إلى معرفة ذاته، وإِن كنت لمن الساخرين ممن يتعاطى ذلك، ويخرب ظاهره لتعمير باطنه، فكنت أسخر منه وأضحك عليه، أو تحتج بالقدر، فتقول : لو أن الله هداني لسلوك طريقه لكنت من المتقين الكاملين في التقوى. ولا ينفع الاحتجاج بالقدر في دار التكليف مع بيان الطريق. أو تقول حين ترى العذاب، وهو فراق الأحباب والتخلُّف عنهم : لو أن لي كرة إلى الدنيا، فأجهد نفسي حتى أكون من أهل الإحسان، الذين يعبدون الله على العيان، بلى قد جاءتك آياتي، وهم الدعاة إليَّ في كل زمان ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ، فكذَّبتَ بها، واستكبرتَ عن الخضوع لهم، وكنت من الجاحدين لطريق التربية. السِّباق السِّبَاقَ قَوْلاً وفِعلاً حَذِرِ النفسَ حَسْرَةَ المسْبُوقِ
الإشارة : واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم، أي : خذوا في الجد والاجتهاد في اتباع الأحسن والأرجح، في الأفعال، والأقوال، والعقائد، من قبل أن ينزل بكم العذاب. ولا عذاب أشد من الحجاب، والتخلُّف عن مقامات الأحباب، في وقت لا ينفع التأسُّف ولا التحسُّر. قال القشيري : هذا في أقوامٍ يَرَوْن أمثالَهم وأشكالهم، تقدّموا عليهم في أحوالهم، فشكوا ما سَلَفَ من تقصيرهم، ويَرَوْن ما وُفِّقَ أولئك إليه من أعالي الرتب، فيعضُّون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة. هـ. وفي ذلك قيل وأنشد :
| السِّباق السِّبَاقَ قَوْلاً وفِعلاً | حَذِرِ النفسَ حَسْرَةَ المسْبُوقِ |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي