ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ ﰿ

قوله : قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها : أن١ «غير » منصوب «بأعبد »٢ و «أعبد » معمول «لتأمروني » على إضمار «أنْ » المصدرية، فلما حذفت بطل عملها وهو أحد الوجهين والأصل أفَتَأمُرُونِي بأن أعْبُدَ غير الله ثم قدم مفعول «أعبد » على «تأمروني » العامل في عامله، وقد ضعف بعضهم هذا بأنه يلزم منه تقديم معمول الصلة على الموصول، وذلك أن «غير » منصوب «بأعبد » و «أعبد » صلة «لأن » وهذا لا يجوز٣.
وهذا الرد ليس بشيء لأن الموصول لما حذف لم يراع حكمه فيما ذكر بل إنما يراعى معناه لتصحيح الكلام٤.
قال أبو البقاء : لو حكمنا بذلك٥ لأفضى إلى حذف الموصول وإبقاء صلته وذلك لا يجوز إلاَّ في ضرورة شعر٦.
وهذا الذي ذكر فيه نَظَرٌ من حيث إنَّ هذا مختصٌّ «بأَنْ » دون سائر الموصولات وهو أنها تحذف ويبقى صلتها وهو منقاس عند البصريين في مواضع٧ تحذف ويبقى عملها وفي غيرها إذا حذفت لا يبقى عملها إلا في ضرورة أو قليل، وينشد بالوجهين ( قوله ) :
٤٣١٠- أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِري أَحْضُرُ الوَغَى. . . وأَنْ أَشْهَدَ اللذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي٨
ويدل على إرادة «أن » في الأصل قراءة بعضهم :«أَعْبُدَ »٩ بنصب الفعل اعتداداً بأن.
الثاني : أن «غَيْر » منصوب «بتَأْمُرُونيِّ » و «أَعْبُد » بدل منه بدل اشتمال، و «أَنْ » مضمرة معه أيضاً.
والتقدير : أفغَيْر اللَّه تأمرونِّي في عبادته، والمعنى : أفتأمروني بعبادة غير الله١٠.
الثالث : أنها منصوبة بفعل مقدر ( تقديره )١١ أفتُلْزِمُوني غير١٢ الله أي عبادة غير الله، وقدره الزمخشري تعبدون ( ي )١٣ وتقولون لي أعبده١٤، والأصل : تأمُرُونَني أن أعبد ( فحذفت ) أن، ورفع الفعل، ألا ترى أنك تقول : أفغير الله تَقُولُون لي أعْبُدُهُ، وأفغير الله تقولون لي أعبد، فكذلك، أفغير الله تقولون١٥ لي أن أعبُدَهُ، وأفغير الله تَأمُرُونِّي أَنْ أَعْبُدَ١٦.
والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ «أَعْبُدَ » بالنصب، وأما «أعبد » ففيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مع «أن » المضمرة في محل نصب على البدل من «غير »، وقد تقدم.
الثاني : أنه في محل نصب على الحال.
الثالث : أنه لا محل له ألبتة١٧.
قوله : تأمروني قرأ الجمهور «تَأمُرونِّي » بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وفتح الياءَ ابن كثير، وأرسلها١٨ الباقون، وقرأ نافع «تأمُرُونِيَ » بنون خفيفة وفتح الياء وابنُ عامر تأمرونَنِي بالفك وسكون الياء١٩، وقد تقدم في سورة الأنعام٢٠، والحِجْر٢١، وغيرهما أنه متى اجتمع نون الرفع مع نون الوقاية جاز ذلك أوجه وتقدم تحقيق الخلاف في أيتهما المحذوفة٢٢.
قال مقاتل : وذلك حين قال له المشركون : دَعْ دينك واتبع دين آبائك ونؤمن بإلَهك، ونظير هذه الآية : قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً [ الأنعام : ١٤ ]، وتقدم في تلك الآية وجه الحكمة في تقدم المفعول ووصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء كلها وبكونه له مقاليد السموات والأرض وكون هذه الأصنام جمادات لا تَضُرُّ ولا تنفع فمن أعْرَض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات المقدسة الشريفة واشتغل بعبادة الأصنام الخَسيسَة فقد بلغ في الجهل مبلغاً لا مزيد عليه، فلهذا قال : أَيُّهَا الجاهلون ٢٣.

١ في ب أنه غير. تحريف وخطأ..
٢ قاله الزمخشري في الكشاف ٣/٤٠٧ والسمين في الدر ٤/٦٦١..
٣ بالمعنى من البحر ٧/٤٣٨ وانظر: السمين ٤/٦٦١..
٤ نقله السمين في الدر ٤/٦٦٢ بالمعنى من البيان لابن الأنباري ٢/٣٢٥ قال: "إلا أنه لما حذف "أن" سقط حكمها والدليل على ذلك أن الفعل قد ارتفع ولو كان حكم أن ثابتا لوجب أن يكون الفعل منصوبا فلما لم ينصب دل على سقوط حكمها"..
٥ أي بقاء حكم أن..
٦ التبيان ١١١٣..
٧ يريد مواضع إضمار أن وجوبا. وقد ذكرها النحويون في كتبهم ومنهم ابن يعيش في شرح المفصل ٧/١٩ و ٢٧..
٨ من الطويل لطرفة بن العبد، والزاجري الذي يكفني ويمنعني. والوغى: الحرب وهو يفتخر بمنازلة الأقران ويرى أن امتناعه عن الحرب عيب، فهو ليس بخالد، وسيأتي الموت يوما. والشاهد: أحضر فقد رويت بروايتين نصب ورفع فالنصب على أنه مضارع منصوب بأن المصدرية محذوفة وهذه ضرورة كما قال الأعلم. وانظر: الإنصاف ٥٦٠ وشرح ابن يعيش ٢/٧ و ٧/٥٢ والمغني ٣٨٣ و ٦٤١ واللسان [أنن] والكتاب ٣/٩٩ و ١٠٠ والدر المصون ٤/٦٦٢ والكشاف ٣/٤٠٧..
٩ لم تنصب في ابن خالويه ولا في البحر ٧/٤٣٩ ولا في الدر المرجع السابقان..
١٠ قال بهذا الوجه ابن الأنباري في البيان ٢/٣٢٥ و ٣٢٦ والسمين في الدر ٤/٦٦٢ والتبيان ١١١٣..
١١ سقط من ب..
١٢ المرجع السابق..
١٣ الياء سقطت من ب..
١٤ في الكشاف: أعبد بدون هاء..
١٥ وفيه تأمرونني أن أعبد..
١٦ وانظر: الكشاف ٣/٤٠٧..
١٧ قال بهذين الوجهين أبو البقاء في التبيان ١١١٣ والسمين في الدر ٤/٦٦٣..
١٨ والإرسال هنا إسكان الياء مع المد فيها..
١٩ وتلك قراءات متواترة انظر: السبعة لابن مجاهد ٥٦٣ والإتحاف للبناء ٣٧٦ و ٣٧٧ والنشر لابن الجزري ٢/٢٦٣ والكشف لمكي ٢/٢٤٠ وحجة ابن خالويه ٣١١..
٢٠ عند قوله: قال أتحاجوني في الله وقد هدان الآية ٨٠..
٢١ عند قوله: فيم تبشرون..
٢٢ وللعلماء في ذلك أقوال فمن قائل إن المحذوف –وهو مذهب الغالب- هو نون الوقاية، ومن قائل: إن المحذوف هو النون الأولى نون الرفع والأفعال الخمسة، ويؤيد المذهب الأول وهو حذف نون الوقاية أنها طرف والطرف محل تغيير..
٢٣ وانظر: الرازي ٢٧/١٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية