فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون( ١٤ )رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق( ١٥ )يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار( ١٦ )اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب( ١٧ ) .
والمنيبون إلى ربهم، المشفقون من غضبه وعذابه، عليهم أن يخلصوا العبادة لله، وأن يحافظوا على تعظيم الشعائر مهما أغاظ ذلك الكفار ؛ لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه ويعلمنا أن نتمثل القرآن الكريم قولا وعملا ونهجا. ففي صحيح مسلم عن أبي الزبير قال : كان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون وقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة.
مما أورد القرطبي : رفيع الدرجات أي رفيع الصفات. وقال ابن عباس... : رفيع السماوات السبع. وقال يحيى بن سلام : هو رفعة درجة أوليائه في الجنة رفيع على هذا بمعنى رافع- فعيل بمعنى فاعل- وهو على القول الأول من صفات الذات، ومعناه الذي لا أرفع قدرا منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، وهي أصنافها وأبوابها لا مستحق لها غيره.. ذو العرش خالقه ومالكه لا أنه محتاج إليه... ١اهـ.
ويرسل ربنا سبحانه الوحي وينزله على من يشاء من عباده المصطفين بأمره-فـ من بمعنى الباء، وقيل من سببية، أي : ينزل الوحي من أجل تبليغ أمره.
يقول الألوسي : وهو في حكم المتصل إلى قيام الساعة بإقامة من يقوم بالدعوة٢.. اهـ.
ليحذر الناس ما ينتظر الكافرين من أهوال يوم يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ؛ ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم.. ٣.
يوم هم معرضون ظاهرون، بعد أن كانوا مغيبين في حفرهم وقبورهم ؛ أو ظاهرة أعمالهم، مكشوفة سرائرهم، مشهود ما قدموا وآثارهم، شاهدة عليهم صحائفهم وجوارحهم ... ولا يكتمون الله حديثا ٤.
ينادى في الخلائق : لمن الملك اليوم ؟ فيجيبون : لله الواحد القهار، للملك الديان وحده الملك، فهو مالك يوم الدين، وملْكه لا يتحول ولا يبيد، وهو الذي قهر العباد والخلق جميعا.. والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه... ، والأولى والآخرة تحت سلطانه، وهو المهيمن العزيز ؛ روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ).
نقل عن النحاس :... عن ابن مسعود قال : يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها، فيؤمر مناد ينادي : لمن الملك اليوم ، فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم : لله الواحد القهار فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا... أهـ.
فيقال لهم : هذا يوم الثواب والجزاء، يجازى الأبرار والفجار، والمؤمنون والكفار، كل بما عمل من خير أو شر، أو طاعة أو وزر، لا ينقص من عمل أحد شيئا، ولن يطول وقت القضاء بين المحشورين، فالله المعبود الحميد المجيد لا يعجزه حساب خلقه، ولن يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره.
يقول القرطبي :[ لا يحتاج إلى تفكر وعقد كما يفعله الحُساب، لأنه العالم الذي لا يعزب عن علمه شيء.. وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة.. لا ينتصف النهار حتى يقيل٥ أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ].
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب