من الآيات التي تستلفت النظر بوجه خاص في مطلع هذه السورة قوله تعالى : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا، فلا يغررك تقلبهم في البلاد( ٤ ) كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأخذتهم، فكيف كان عقاب( ٥ ) ، ففي هذه الآيات وصف موجز للصراع القائم المستمر بين الحق والباطل، والضلال والهدى، ووصف للمعركة الفاصلة بين الاثنين، وتعريف بأن مآل هذه المعركة دائما إلى غلبة الحق وانهزام الباطل، وبأن العقاب الإلهي يتدخل في نهاية الأمر، ليضع حدا لكذب المكذبين، وجدل المبطلين.
وهاهنا يكشف الحق سبحانه وتعالى النقاب عن حقيقة كبرى قلما يلتفت إليها كثير من الناس، ألا وهي أن جميع ما خلقه الله من العوالم والأكوان، بما فيها من جماد ونبات وحيوان، يدين كله بالطاعة لله، ويسبح بحمده، ولا يجادل في آية من آياته، ما عدا شرذمة كافرة مستهترة من بني الإنسان، هي التي تجادل في آياته، وتقف موقف التحدي لتوجيهاته، وتتبرم بطاعته، وتتصدى لمعصيته، ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ، لكن الله تعالى يطمئن رسوله والمؤمنين في نفس الوقت على أن مصير الشرذمة من الكافرين، الذين يتظاهرون بالكبر والجبروت والاستعلاء، سيكون مصيرا مفجعا ومفزعا، وأن الثمرة الوحيدة التي سيجنونها من جدالهم في آيات الله، وتصديهم للكفر به، عنادا واستكبارا، لن تكون إلا الخيبة والبوار، والهزيمة المرة، في الدنيا أولا، والآخرة ثانيا فلا يغررك تقلبهم في البلاد( ٤ ) ، ولقد صدق الله نبيه وعده، عندما انهزم الشرك والمشركون في جزيرة العرب أولا، ثم في غيرها من بقية أطراف العالم ثانيا، وظهر الإسلام على غيره من المعتقدات الباطلة، في كثير من بقاع المعمور، وهاهو لا يزال يشق طريقه المرسوم، إلى أن يتم له النصر والظهور.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري