لا جَرَمَ ؛ لا شك، أو : حقاً، وقال البصريون :" لا " : نفي رد لِما دعوه إليه، و " جرم " : فعل، بمعنى : حقّ، و " أن " مع " ما " في حيزه ؛ فاعل، أي : حق ووجب أنّما تدعونني إِليه ليس له دعوةٌ في الدنيا ولا في الآخرة أي : وجب عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها، والظاهر : أن " جَرَمَ " من الجرم، وأراد به هنا الكذب، أي : لا كذب في أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة. . . الخ، فقد يضمن الفعل معنى المصدر، وتدخل " لا " النافية للجنس عليه، والمعنى : أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط، ومن حق المعبود بالحق أن يدعوَ العباد إلى طاعته، وما تدعونني إليه لا يدعو هو إلى عبادته، ولا يدّعي الربوبية، أو : معناه : ليس له استجابة دعوة في الدنيا والآخرة، أو : دعوة مستجابة. جعلت الدعوة التي لا استجابة لها، ولا منفعة، كلا دعوة. وأنَّ مردَّنا إِلى الله أي : رجوعنا إليه بالموت، وأنَّ المسرفين في الضلال والطغيان، كالإشراك وسفك الدماء، هم أصحابُ النار أي : ملازموها.
قال حمدون القصّار : لا أعلم في القرآن أرجى من قوله : وأنَّ مَردَّنا إِلى الله ، فقد حكي عن بعض السلف أنه قال : الكريمُ إذا قدر عفا، وإنما يكون مرد العبد إلى ربه إذا أتاه على أمد الإفلاس والفقر، لا أن يرى لنفسه مقاماً في إحدى الدارين، وهو أن يكون في الدنيا خاشعاً لمَن يذله، ولا يلتفت إليه، هارباً ممن يكرمه ويبره، ويكون في الآخرة طالباً لفضل الله، مشفقاً من حسناته أكثر من إشفاق الكفار من كفرهم. هـ. قلت : هذا مقام العباد والزهّاد، وأما العارفون فلا يرون إلا الله، فيلقون الله بالله، غائبون عن إحسانهم وإساءتهم.
وقوله تعالى : فستذكرون ما أقولُ لكم هكذا يقول الواعظ إن لم ينفع وعظه، ويُفوض أمره وأمرهم إلى الله ؛ فإنَّ الله بصيرٌ بهم. وقال بعضهم : وأُفوضُ أمري في الدنيا والآخرة إلى الله، فهو بصير بعجزي وضعفي عن رد القضاء والقدر، والتفويض : ألا يرى لنفسه، ولا للخلق جميعاً، قدرةً على النفع والضر، فيرى الله بإيجاد الموجود في جميع الأنفاس، بنعت المشاهدة والحال، لا بنعت العلم والعقل. وقال بعضهم : التفويض : قبل نزول القضاء، والتسليم : بعد نزول القضاء. وقال ذو النون حين سُئل عنه : متى يكون العبد مفوضاً ؛ قال : إذا أيس من فعله ونفسه، والتجأ إلى الله في جميع أحواله، ولم تكن له علاقة سوى ربه. هـ. أي : لم يكن له تعلُّق إلا بالله. فالمقامات ثلاث : التفويض قبل النزول، والرضا بعده بالمجاهدة، والتسليم بلا مجاهدة.
وقوله تعالى : فوقاه الله سيئاتِ ما مكروا هذه نتيجة التفويض، فكُلّ من فوّض أمره إلى الله فيما ينزل به، وقاه الله جميع المكاره، وكُلَّ ما يخشى ؛ إن قطع عن قلبه التعلُّق بغير الله، كما هو حقيقة التفويض. قال القشيري : أشدُّ العذاب على الكفار : يأسُهم عن الخروج، وأما العصاة من المؤمنين فأشدُّ عذابهم : إذا علموا أن هذا يومُ لقاءِ المؤمنين. هـ. أي : وهم قد حُرموا ذلك.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي