ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

تمهيد :
تعرض الآيات مشهدا من مشاهد القيامة ؛ حيث يعاتب الضعفاء الكبراء، لأن الكبراء زيّنوا للضعفاء السير خلفهم، وإتباعهم فاتبعوهم كالأغنام، بدون أن يُعمِلوا عقولهم، وبعد خراب البصرة ودخول جهنم، يُقرِّع الأتباعُ المتبوعين، فيقولون لهم : لقد اتبعناكم، ودخلنا جهنم بسبب سيرنا خلفكم، فهل تتحملون عنا جانبا من عذاب جهنم ؟
وهنا يقول الكبراء : إن العذاب لنا جميعا في جهنم، نحن وأنتم في دركات النار، ولو نملك تخفيف العذاب لخففناه عن أنفسنا، إن الله قد قضى بأن يعذب جميع الكفار في النار، وحين يئس الكفار جميعا من تخفيف العذاب، اتجهوا إلى حرّاس جهنم يستشفعون بهم إلى الله، حتى يخفف عنهم يوما واحدا من العذاب، ليستريحوا قليلا، ويستعدوا لعذاب يوم مقبل، وتوجّه خزنة جهنم بسؤال توبيخ إلى الكفار : هل جاءتكم الرسل بالمعجزات والأدلة الواضحة على صدقهم وصدق الوحي والبعث ؟ قالوا : بلى جاءت الرسل بهذه الأدلة لكنّا لم نصدقهم وكذبناهم، عندئذ انسحب الملائكة من الشفاعة والدعاء لهم، وقالوا : ادعوا أنتم لأنفسكم ولن يسمع لكم دعاء، لأن دعاءكم في ضياع وخسران.
المفردات :
الأشهاد : جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، والمراد : الأنبياء والحفظة، ويوم يقوم الأشهاد : هو يوم القيامة.
التفسير :
٥١- إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .
هذه الآية تقرير لحقيقة عظمى، أي : ومن سنتنا أن ننصر رسلنا والذين آمنوا بهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
أما نصر الرسل في الدنيا فيكون بتوفيقهم في تبليغ الرسالة، وإقامة الحجة، واستمالة الأتباع، ورعاية المؤمنين، وذلك بشرح الرسالة، وتعميق ألوان الهداية.
ونصر الرسل قد يكون حسيّا، كما نجده في غرق فرعون ونجاة موسى، وكما في نجاة نوح ومن جاء بعده من المرسلين، كما في انتصار محمد صلى الله عليه وسلم في غزوات بدر وأحد والخندق والحديبية وفي فتح مكة وفي حنين، بعد أن خرج في الهجرة ثاني اثنين إذ هما في الغار، فالنصر قد يكون قريبا، وقد يتأخر النصر لحكمة.
وقد يكون النصر معنويا، وذلك باقتناع المؤمنين بالدعوة، وتحملهم الموت في سبيل الحق، فَوضْع إبراهيم في النار انتصار له، ونجاته من النار انتصار آخر، وامتثال إبراهيم لذبح إسماعيل انتصار، ونجاة إسماعيل وذبح الفداء انتصار آخر، وقصة أصحاب الأخدود تحكي استبسالهم وانتصارهم بعقيدتهم، وموت يحيى بن زكريا ثم الانتقام من قاتليه انتصار. واستشهاد الحسين، ثمّ توجّع الناس لهذه الشهادة انتصار، حتى قال بعض المؤرخين : نصر الحسين ميتا أكثر منه حيّا، فالنصر في الدنيا قد يكون حسيا، وقد يكون معنويا.
لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام لا يزال في بلاد العرب، ولم تمض عشر سنوات على وفاته حتى فتح المسلمون بلا د الفرس وبلاد الروم مصر وغيرها.
أما النصر في الآخرة فهو النصر الحقيقي، بدخول المؤمنين الجنة، ودخول الكافرين النار، بعد أن يقوم الرسل بالشهادة على أممهم، بأنهم بلغوهم الرسالة، وتشهد أيضّا الملائكة للرسل بتبليغ الرسالة، وللمؤمنين بأداء الأمانة، كما تشهد على الكفرة بالتكذيب والجحود.
قال تعالى : ويوم يقوم الأشهاد .
وهم الرسل والملائكة، عند جمع الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير