فاصبرْ إِنَّ وَعْدَ الله حقٌّ أي : فاصبر على ما يُجرّعك قومك من الغُصَص إِنَّ وعد الله بنصرك وإعلاء دينك، على ما نطق به قوله تعالى : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ( ١٧١ ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ( ١٧٢ ) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ( ١٧٣ ) [ الصافات : ١٧١ ١٧٣ ]، حقٌّ لا يحتمل الاختلاف بحال. قال الطيبي : الآية تشير إلى نصره على أعدائه، كموسى، وأنه يظهر دينه على الدين كله، ويورث كتابه ؛ ليعتصموا به، فيكون لهم هُدًى وذكرى، وعزّاً وشرفاً. ه. أي : ولذلك قدّم ذكر موسى على بشارته بالنصر ؛ ليتم التشبيه.
واستغفر لذنبك ، تشريعاً لأمتك ؛ فإِنَّ الاستغفار يمحو الذنوب التي تعوق عن النصر، أو : تداركاً لِمَا فرط منك من ترك الأَوْلَى في بعض الأحايين، فإِنَّ حسنات الأبرار سيئات المقربين. والحاصل : أن كل مقام له ذنب يليق به، وهو التقصير في القيام به على ما يليق به، فالنبي صلى الله عليه وسلم كُلف بدوام الشهود ولو في حال التعليم، فإذا غاب عن الحق لحظة بشغل البال بالتعليم، كان في حقه نقصاً يُوجب الاستغفار. ثم قال : وسبّحْ بحمد ربك بالعشيّ والإِبكار أي : دُم على التسبيح ملتبساً بحمده، أي : قل : سبحان الله وبحمده، أو : صَلّ في هذين الوقتين، إذ كان الواجب بمكة ركعتين بكرة وعشيّاً، وقيل : هما صلاة العصر والفجر، خصصهما لشرفهما.
وقوله تعالى : وسبّح... الخ، فيه الحث على التوجُّه إلى الله في هذين الوقتين، فإن العبرة بالافتتاح والاختتام، فمَن فتح يومه بخير، وختمه بخير، حكم على بينهما. وقال في أهل الإنكار : إِن الذين يُجادلون في آيات الله... الآية، فاستعذ بالله منهم، وغِبْ عنهم بإقبالك على مولاك. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي