البعث أَكْبَرُ أعظم فى القدرة مِنْ خَلْقِ النَّاسِ مرة ثانية وهى الاعادة فمن قدر على خلق الأعظم الأقوى بلا اصل ولا مادة وجب أن يقدر على خلق الأذل الأضعف من الأصل والمادة بطريق الاولى فكيف يقرون بأن الله خلق السموات والأرض وينكرون الخلق الجديد يوم البعث وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعنى الكفار لا يَعْلَمُونَ أن الاعادة أهون من البداية لقصورهم فى النظر والتأمل لفرط غفلتهم واتباعهم لاهوائهم وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ اى الغافل والمستبصر فالمراد بالأعمى من عمى قلبه عن رؤية الآيات والاستدلال بها والبصير من أبصرها قال الشاعر
ايها المنكح الثريا سهيلا
عمرك الله كيف يلتقيان
هى شامية إذا ما استقلت
وسهيل إذا استقل يمانى
اى فكما لا تساوى بينهما فكذلك بين المؤمن والكافر والعالم والجاهلى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قدمه لمجاورة البصير وهو باب من أبواب البلاغة والمراد بهم المحسنون وَلَا الْمُسِيءُ اسم جنس يعم المسيئين والمعنى وما يستوى المحسن والمسيء اى الصالح والطالح فلا بد أن يكون لهم حالة اخرى يظهر فيها ما بين الفريقين من التفاوت وهى فيما بعد البعث وهو احتجاج آخر على حقيقة البعث والجزاء وزيادة ولا فى المسيء لتأكيد النفي لطول الكلام بالصلة ولأن المقصود نفى مساواته للمحسن لأنه كما لا يساوى المحسن المسيء فيما يستحقه المسيء من الحقارة والهوان كذلك لا يساوى المسيء المحسن فيما يستحقه المحسن من الفضل والكرامة والعاطف فى قوله والذين عطف الموصول بما عطف عليه على الأعمى والبصير مع أن المجموع اى مجموع الغافل والمستبصر هو مجموع المسيء والمحسن لتغاير الوصفين يعنى أن المقصود فى الأولين الى العلم فان العمى والبصيرة فى القلب وفى الآخرين الى العمل لأن الايمان والأعمال فى الجوارح وإلا ففي الحقيقة المراد بالبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات واحد وبالأعمى والمسيء واحد ويجوز ان يراد الدلالة بالصراحة والتمثيل على أن يتحد الوصفان فى المقصود بأن يكون المراد بالأولين ايضا المحسن والمسيء فالصراحة بالنسبة الى الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء والتمثيل بالنسبة الى ما قبله فان الأعمى والبصير من قبيل التمثيل قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ قوله قليلا صفة مصدر محذوف وما تأكيد معنى القلة وتذكرون على الخطاب بطريق الالتفات على أن يكون الضمير للكفار وفائدة الالتفات فى مقام التوبيخ هو اظهار العنف الشديد والإنكار البليغ والمعنى تذكرا قليلا تتذكرون ايها الكفار المجادلون يعنى وان كنتم تعلمون أن التبصر خير من الغفلة ولا يستويان وكذا العمل الصالح خير من العمل الفاسد لكنكم لا تتذكرون الا تدكرا قليلا او تتذكرون أصلا فانه قد يعبر بقلة الشيء عن عدمه مثل ان يقال فلان قليل الحياء اى لاحياء له (قال فى تاج المصادر) التذكر ياد كردن ويا ياد آوردن و پند كرفتن إِنَّ السَّاعَةَ ان القيامة ومروجه التسمية بها مرارا لَآتِيَةٌ أكد با للام لأن المخاطبين هم الكفار وجرد فى طه حيث قال ان الساعة آتية لكون المخبر ليس بشاك فى الخبر كذا فى برهال القرآن لا رَيْبَ فِيها اى
صفحة رقم 199
يكى را عسس دست بر بسته بود
همه شب پريشان ودلخسته بود
بكوش آمدش در شب تيره رنك
كه شخصى همى نالد از دست تنك
شنيد اين سخن دزد مسكين وكفت
ز بيچارگى چند نالى بخفت
برو شكر يزدان كن اى تنك دست
كه دستت عسس تنك برهم نبست
يعنى فلك القدرة على الكسب
نداند كسى قدر روز خوشى
مكر روزى افتد بسختى كشى
زمستان درويش بس تنك سال
چهـ سهلست پيش خداوند مال
چهـ دانند جيحونيان قدر آب
زوا ماند كان پرس در آفتاب
كسى قيمت تندرستى شناخت
كه يكچند بيچاره در تب كداخت
ببانگ دهل خواجه بيدار گشت
چهـ داند شب پاسبان چون كذشت
ذلِكُمُ المتفرد بالافعال المقتضية للالوهية والربوبية اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ اخبار مترادفة تخصص السابقة منها اللاحقة وتقررها قال فى كشف الاسرار كل هاهنا بمعنى البعض وقيل عام خص منه ما لا يدخل فى الخلق فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فكيف ومن اى وجه تصرفون عن عبادته خاصة الى عبادة غيره كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اى مثل ذلك الافك العجب الذي لا وجه له ولا مصحح أصلا اى كما صرف قومك وهم قريش عن الحق وحرموا من التحلي به مع قيام الدلائل يؤفك ويصرف عنه كل جاحد قبلهم او بعدهم بآياته اى آية كانت لا إفكا آخر له وجه ومصحح فى الجملة قال الراغب الافك كل مصروف عن وجهه الذي يحق ان يكون عليه ومنه قيل للرياح العادلة عن المهاب المؤتفكات وقوله أنى تؤفكون اى تصرفون من الحق فى الاعتقاد الى الباطل ومن الصدق فى المقال الى الكذب ومن الجميل فى الفعل الى القبيح ورجل مأفوك اى مصروف عن الحق الى الباطل والجحود نفى ما فى القلب إثباته واثبات ما فى القلب نفيه وتجحد تخصص بفعل ذلك فعلى العبد أن يقر بمولاه وبآياته فانه خالقه ورازقه وجاء فى أحاديث المعراج قل لأمتك ان احببتم أحدا لإحسانه إليكم فانا اولى به لكثرة نعمى عليكم وان خفتم أحدا من اهل السماء والأرض فأنا اولى بذلك لكمال قدرتى وان أنتم رجوتم أحدا فأنا اولى به لأنى أحب عبادى وان أنتم استحييتم من أحد لجفائكم إياه فأنا اولى بذلك لان منكم الجفاء ومنى الوفاء وان أنتم آثرتم أحدا باموالكم وأنفسكم فأنا اولى به لأنى معبودكم وان صدقتم أحدا وعده فأنا اولى بذلك لانى انا الصادق ففى العبودية والمعرفة شرف عظيم قال على رضى الله عنه ما يسرنى ان لومت طفلا وادخلت الجنة ولم اكبر فاعرف وذلك لأن الإنسان خلق للعبادة والمعرفة فاذا ساعده العمر والوقت يجب عليه ان يجتهد الى ان يترقى الى ذروة المطالب ويصل الى مرتبة استعداده فاذا أهمل وتكاسل فمات كان كالصبى الذي مات فى صباه خاليا عن حلية الكمالات والسعادات نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المجتهدين اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ لمصالحكم وحوائجكم الْأَرْضَ قَراراً مستقرا اى موضع
صفحة رقم 204
قرار ومكان ثبات وسكون فان القرار كما يجيىء بمعنى الثبات والسكون يجيىء بمعنى ما قر فيه وبمعنى المطمئن من الأرض كما فى القاموس قال ابن عباس رضى الله عنهما قرارا اى منزلا فى حال الحياة وبعد الممات وَالسَّماءَ بِناءً البناء بمعنى المبنى اى قبة مبنية مرفوعة فوقكم ومنه ابنية العرب لمضاربهم وذلك لأن السماء فى نظر العين كقبة مضروبة على فضاء الأرض وفى التأويلات النجمية خلق الأرض لكم استقلالا ولغيركم طفيليا وتبعا لتكون مقركم والسماء ايضا خلق لكم لتكون سقفكم مستقلين به وغيركم تبع لكم فيه وقال بعضهم جعل الأرض قرارا لأوليائه والسماء بناء لملائكته وفيه اشارة الى قوله أوليائي تحت قبابى اى مستورون تحت قباب الملكوت لا تنكشف أحوالهم الا لمن عرفه الله تعالى وفى الآية بيان لفضله تعالى المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان وقوله تعالى وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ بيان لفضله المتعلق بأنفسهم والفاء فى فأحسن تفسيرية فان الإحسان عين التصوير كما قوله عليه السلام ان الله أدبني فأحسن تأديبى فان الإحسان عين التأديب فان تأديب الله لمثله لا يكون إلا حسنا بل احسن والمعنى صوركم احسن تصوير حيث خلقكم منتصبى القامة بادى البشرة متناسبى الأعضاء والتخطيطات متهيئين لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات قال ابن عباس رضى الله عنهما خلق ابن آدم قائما معتدلا يأكل ويتناول بيده وغير ابن آدم بفيه وفيه اشارة الى أنه تعالى جعل ارض البشرية مقرا للروح وجمع سماء الروحانية فى عالم صوركم ولم يجمعها فى صورة شىء آخر من الملائكة والجن والشياطين والحيوانات والى هذا المعنى أشار بقوله تعالى لقد خلقنا الإنسان فى احسن تقويم وايضا فأحسن صوركم إذ جعلها مرءاة جماله كما قال عليه السلام كل جميل من جمال الله وانما جعلكم جميلا ليحبكم كما قال عليه السلام ان الله جميل يحب الجمال وبالفارسية حسن صورت انسانى در آنست كه او مرآت جهان نماست بهمه حقائق
علوى وسفلى ومجموع دقايق صورى ومعنوى را جامعست وأنوار معرفت ذات وآثار شناخت صفات از آينه جامعه او لامع.
اى صورت تو آينه سر وجود
روشن زرخت پرتو أنوار شهود
مجموعه هر دو كونى ونيست چوتو
در مملكت صورت ومعنى موجود
وفيه اشارة الى تخطئة الملائكة فيما قبحو الإنسان وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء فان الحسن ليس ما يستحسنه الناس بل ما يستحسنه الحبيب كأن الله يقول ان الواشين قبحوا صورتكم عندنا بل الملائكة كتبوا فى صحيفتكم قبيح ما ارتكبتم ومولاكم احسن صوركم عنده بان محا من ديوانكم الزلات واثبت فى ذلك الحسنات كما قال تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وقال فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات فحسن الصورة والمعنى مخصوص بالإنسان وهو المدار وما سواه دائر عليه (قال الصائب)