ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

قوله تعالى : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ في نصب «سَبْعَ » أربعةُ أوجه :
أحدها : أنه مفعول ثانٍ «لقَضَاهُنَّ » ؛ لأنه ضمّن معنى صيَّرهُنَّ بقضائه سبع سموات١.
الثاني : أنه منصوب على الحال من مفعول «فقضاهن » أي قضاهن معدودةً٢، وقضى بمعنى «صَنَعَ »٣ كقول أبي ذؤيب :

٤٣٥٥ وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ٤
أي صنعها.
الثالث : أنه تمييز ؛ قال الزمخشري : ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسَّراً بسبع سمواتٍ على التمييز٥ يعني بقوله «مبهماً »، أنه لا يعود على السماء، لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى بخلاف كونه حالاً أو مفعولاً ثانياً.
الرابع : أنه بدل من «هُنَّ » في «فَقَضَاهُنَّ » قاله مكي٦، وقال أيضاً : السماء، تذكَّر وتؤَنَّثُ، وعلى التأنيث جاء القرآن، ولو جاء على التذكير لقيل : سَبْعَةَ سمواتٍ٧. وقد تقدم تحقيق تذكيره وتأنيثه في أوائل البقرة٨.

فصل


قال أهل الأثر : إن الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق سائر ما في الأرض يوم الثلاثاء والأربعاء وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعةٍ من يوم الجُمُعةِ فخلق بها آدم، وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة.
فإن : قيل : اليوم عبارة عن النهار والليل، وذلك إنما يحصل بطُلُوعِ الشَّمس وغروبها، وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصول اليوم ؟
فالجواب : معناه أنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلكٌ وشمس لكان المقدار مُقدَّراً بيوم٩. وقضاء الشيء إتمامه١٠ والفرغ منه.
قوله : وأوحى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا . قال عطاء عن ابن عباس١١ رضي الله عنهما : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار، وجبال البرد، وما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقال قتادة والسُّدِّيُّ : يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها. وقال مقاتل : وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي، وذلك يوم الخميس والجمعة، قال السدي : ولله في كل سماء بيت يُحَجُّ إليه ويطوف به الملائكة، كل واحد منها مقابل للكعبة بحيث لو وقعت منه حصاةٌ لوقعت على الكعبة.
قوله : وَزَيَّنَّا السماء الدنيا بِمَصَابِيحَ وهي النيران التي خلقها في السموات، وخص كل واحد بضوء معين، وسرٍّ معين وطبيعة معينة لا يعرفها إلا الله تعالى.
قوله :«وَحِفْظاً » في نصبه وجهان :
الأول : أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي : وحفظناها بالثواقب من الكواكب حفظاً١٢.
والثاني : أنه مفعول من أجله على المعنى ؛ فإن التقدير : خلقنا الكواكب زينةً وحِفظاً١٣، قال أبو حيان «وهو تَكَلُّفٌ وعُدُولٌ عن السَّهْلِ البَيِّن »١٤.

فصل


المعنى وحفظناها من الشياطين الذي يسترقون السمع، ثم قال :«ذلِكَ » أي الذي ذكر من صُنْعَةِ «العَزِيزِ » في ملكه «العَلِيمِ » بخلقه فالعزيزُ إشارة إلى كمال القدرة، والعليمُ إشارة إلى كمال العلم١٥.
١ قاله السمين في الدر ٤/٧٢٢..
٢ السابق.
٣ معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٣٨١ و٣٨٢..
٤ من تمام الكامل لأبي ذؤيب كما أخبر. والشاهد: قضاهما بمعنى صنعهما. ومسرودتان صفة لموصوف محذوف أي درعان مسرودتان، والبيت في معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٨٢ وفتح القدير ٤/٥٠٨ ومجمع البيان ٧/٥٩٦، وشرح المفصل ٣/٥٨، ٥٩، والبحر المحيط ٧/٤٧٧ والمعاني الكبير ٢/١٠٣٩ وغريب القرآن ٣٨٨ وتأويل المشكل ٣٤٢ واللسان قضى وديوان المفضليات ٥٠٠ و٨٨١ وديوان الهذليين ١/١٩..
٥ الكشاف ٣/٤٤٧..
٦ مشكل إعراب القرآن له ٢/٢٧٠..
٧ السابق ٢/٢٧٠ و٢٧١..
٨ يشير إلى قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات [البقرة: ٢٩]..
٩ انظر تفسير الإمام الرازي ٢٧/١٠٧ والكشاف بإجمال ٣/٤٤٧..
١٠ اللسان قضى ٣٦٦٥..
١١ هذه الأقوال ذكرها العلامة البغوي في "معالم التنزيل" ٦/١٠٦، وكذلك الخازن في "لباب التأويل" السابق، والقرطبي ١٥/٣٤٥ وانظر أيضا الرازي ٢٧/١٠٧، والبحر المحيط ٧/٤٨٨..
١٢ قاله العكبري في التبيان ١٠٢٤ والأخفش في المعاني ٦٨١ والزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤/٣٨٢، والزمخشري في الكشاف ٣/٤٤٧، والسمين في الدر ٤/٧٢٢ ونقله في إعراب القرآن ٤/٥٢ والمغني ٤٧٩..
١٣ قال بهذا الوجه كسابقه العكبري والكشاف والسمين المراجع السابقة..
١٤ بالمعنى من البحر فإنه قال: "ولا حاجة إلى هذا التقدير الثاني وتكلفه مع ظهور الأول وسهولته" البحر ٧/٤٨٨.
.

١٥ انظر البغوي ٦/١٠٦..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية