ثم بيَّن ما ذكره من صاعقة عاد وثمود، فقال : فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق أي : تعاظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم، وهو القوة، وعظم الأجرام، واستولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية، وقالوا مَن أشدُّ منا قوةً ، كانوا ذوي أجسام طوال، وخلْق عظيم، بلغ من قوتهم أن الرجل كان يقلع الصخرة من الجبل بيده، ويلوي الحديد بيده، أوَلَمْ يَرَوا أي : أَوَلَم يعلموا علم عيان أن الله الذي خلقهم هو أشَدُّ منهم قوةً ؟ أوسعُ منهم قدرة ؛ لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره، وكانوا بآياتنا المنزلة على رسلهم يجحدون أي : ينكرونها وهم يعرفون حقِيتها، كما يجحد المودَعُ الوديعة. و( هم ) : عطف على ( فاستكبروا )، وما بينها اعتراض، للرد على كلمتهم الشنعاء.
وقوله : وأما ثمود فهديناهم أي : بيَّنا لهم طريق السير إلينا، على ألسنة الوسائط، فحادُوا عنها، واستحبُّوا العمى على الهدى ؛ حيث لم يسبق لهم الهداية في الأزل، فالسوابق تُؤثر في العواقب، والعواقب لا تؤثر في السوابق، فكأن جبلة القوم الضلالة، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة.
وقوله تعالى : ونجينا الذين آمنوا أي : في الدنيا من الصاعقة، وفي الآخرة من السقوط في الهاوية. قال القشيري : منهم مَن نجَّاهم من غير أن رأوا النار، عَبَروا القنطرةَ ولم يعلموا، وقومٌ كالبرق الخاطف، وهم أعلاهم ـ قلت : بل أعلاهم كالطرف ـ ثم قال : وقوم كالرواكض، وهم أيضاً الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون وتردُّهم الملائكة على الصراط، فبَعُدوا. ثم قال : وقومٌ بعدما دخلوا النار، فمنهم مَن تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حَقْوَيْه١، فإذا بلغ القلب قال الحقُّ للنار : لا تحرقي قلبه، فإنه محترقُ بي. وقوم يخرجون من النار بعدما امْتُحِشُوا٢ فصاروا حُمَماً. هـ منه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي