ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وجاءت هذه الآيات معقبة على الآيات لبيان ما سوف يكون من أمر الكفار في الآخرة وقد أنذروا وذكروا ووعظوا بما حل فيمن قبلهم من أمثالهم فأعرضوا ولم يرعووا.
ففي يوم القيامة يحشر أعداء الله الكفار ويساقون إلى النار. وحينما يوقفون – قبل سوقهم إلى النار – أمام الله للحساب ينطق الله آذانهم وعيونهم وجلودهم فتشهد عليهم بما اقترفوه من آثام. ولسوف يعاتبون جوارحهم على شهادتها فترد عليهم بأن الله الذي أنطق كل شيء هو الذي أنطقها بالحق. وقد عقبت الآيات على جواب الجوارح بتوكيد قدرة الله على ذلك وقد خلق الناس أول مرة وإليه يرجعون.
ووجه الخطاب – بعد حكاية المشهد والتعقيب عليه – إلى الكفار، وفيه تأنيب وتقريع لحقيقة الأمر في جرأتهم على الكفر والإثم فهم لم يكونوا يبالون أن تشهد عليهم جوارحهم، ولم يكونوا يرون ضرورة التستر في آثامهم ؛ لأنهم كانوا لا يخطر ببالهم في الحقيقة أن الله يراقبهم ويحصي عليهم أعمالهم وكانوا يظنون أن الله لا يعلم كثيرا مما كانوا يعملون، وهذا الظن الخاطىء هو الذي أسقطهم في شر أعمالهم وجعلهم خاسرين.
والآيات متصلة بسابقاتها كما هو واضح، وأسلوبها قوي نافذ من شأنه أن يثير الرعب والخوف والارعواء في النفوس وهو مما استهدفته كما هو المتبادر.
ولقد روى الشيخان والترمذي في سياق الآية [ ٢٢ ] عن عبد الله حديثا جاء فيه :( اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقال أحدهم : أترون أن الله سميع ما نقول ؟ قال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه ليسمع إذا أخفينا فأنزل الله عز وجل : وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم الآية )١.
ومقتضى الرواية أن تكون الآية نزلت لحدتها مع أن التمعن في الآيات يظهر أنها وحدة تامة منسجمة، وأن الآية والتي بعدها تعقيب إفحامي لأعداء الله على ما حكى عنهم من معاتبتهم لجوارحهم، وأن جميع الآيات متصلة بسابقاتها كما قلنا آنفا.
ولقد روى الطبري بطرقه في سياق هذه الآيات حديثا عن أنس بن مالك قال :( ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم حتى بدت نواجذه ثم قال : ألا تسألوني مم ضحكت ؟ قالوا : مم ضحكت يا رسول الله ؟ قال : عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول يا رب أليس وعدتني أن لا تظلمني قال : فإن ذلك لك. قال : فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي، قال : أوليس كفى بي شهيدا وبالملائكة الكرام الكاتبين، فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل فيقول لهن : بعدا لكن وسحقا عنكن كنت أجادل ). ولقد أوردنا هذا الحديث بصيغة مقاربة نقلا عن ابن كثير في سياق الآية [ ٦٥ ] من سورة يس علقنا عليه بما يغني عن التكرار.
تعليق على التباين في المشاهد الأخروية
ولقد يرد على الذهن سؤال أو حيرة بسبب التباين والتغاير في الصور الأخروية ومشاهدها ووسائلها. فليس هناك محل لذلك ؛ لأنه ليس هناك ما يمنع أن يكون ذلك يقصد استكمال وصف صور الحياة الأخروية وبيان ما اقتضته حكمة الله من تنوعها. وهذا لا يقلل من اعتبار أن ذلك هادف في الوقت نفسه إلى إثارة الرعب والخوف والغبطة والطمأنينة فيمن يستمع للقرآن من الجاحدين والمؤمنين بأساليب تقريبية لما ألفوه من أسباب ووسائل، وأن تعدد وتنوع المواقف وأصحابها من مقتضيات ذلك. والله أعلم


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير