ثم بشرهم سبحانه بما هو أعظم من ذلك كله، فقال : نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ في الحياة الدنيا وَفِى الآخرة أي نحن المتولون لحفظكم، ومعونتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة، ومن كان الله وليه فاز بكلّ مطلب، ونجا من كلّ مخافة. وقيل : إن هذا من قول الملائكة. قال مجاهد : يقولون لهم : نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قالوا : لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. وقال السدّي : نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة. وقيل : إنهم يشفعون لهم في الآخرة، ويتلقونهم بالكرامة وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ من صنوف اللذات، وأنواع النعم وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ أي ما تتمنون، افتعال من الدعاء بمعنى الطلب، وقد تقدّم بيان معنى هذا في قوله : وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ [ يس : ٥٧ ] مستوفى، والفرق بين الجملتين : أن الأولى باعتبار شهوات أنفسهم، والثانية باعتبار ما يطلبونه أعم من أن يكون مما تشتهيه أنفسهم أولاً. وقال الرازي : الأقرب عندي أن قوله : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في قوله : دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم [ يونس : ١٠ ] الآية.
وأخرج الترمذي، والنسائي، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عديّ، وابن مردويه عن أنس قال :«قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا قال : قد قالها ناس من الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حين يموت، فهو ممن استقام عليها». وأخرج ابن المبارك، وعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، ومسدد، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عمران، عن أبي بكر الصديق في قوله : إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا قال : الاستقامة أن لا يشركوا بالله شيئاً. وأخرج ابن راهويه، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية من طريق الأسود بن هلال عن أبي بكر الصديق أنه قال : ما تقولون في هاتين الآيتين : إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا ، و الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ [ الأنعام : ٨٢ ] ؟ قالوا : الذين قالوا : ربنا الله، ثم عملوا بها، واستقاموا على أمره، فلم يذنبوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لم يذنبوا، قال : لقد حملتموهما على أمر شديد الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ يقول : بشرك، والذين قالوا : ربنا الله، ثم استقاموا، فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وأخرج ابن مردويه عن بعض الصحابة : ثم استقاموا على فرائض الله. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس : ثُمَّ استقاموا قال : على شهادة أن لا إله إلاّ الله. وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر عن عمر بن الخطاب : إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا قال : استقاموا بطاعة الله، ولم يروغوا روغان الثعلب. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، والبخاري في تاريخه، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن سفيان الثقفي، أن رجلاً قال : يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال : قل آمنت بالله، ثم استقم، قلت : فما أتقي ؟ فآوى إلى لسانه. قال الترمذي : حسن صحيح.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عائشة في قوله : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله قالت : المؤذن وَعَمِلَ صالحا قالت : ركعتان فيما بين الأذان والإقامة. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر، وابن مردويه من وجه آخر عنها قالت : ما أرى هذه الآية نزلت إلاّ في المؤذنين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله : وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة ادفع بالتي هِي أَحْسَنُ قال : أمر المسلمين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ . وأخرج ابن مردويه عنه ادفع بالتي هِي أَحْسَنُ قال : القه بالسلام، فإذا الذي بينك، وبينه عداوة كأنه وليّ حميم. وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله : وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ قال : الرجل يشتمه أخوه، فيقول : إن كنت صادقاً، فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً، فغفر الله لك. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن سليمان بن صرد قال : استبّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فاشتدّ غضب أحدهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقال الرجل : أمجنون تراني ؟، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم ».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني