ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

وما يلقاها : بمعنى وما يتصف بها وما يكون عليها وما ينالها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:في الآية الأولى : تقرير بأفضلية الحسنة على السيئة وعدم إمكان التسوية بينهما، وأمر للسامع بمقابلة السيئة بالحسنة وإشارة إلى أن مثل هذه المقابلة شأنها أن تقلب العداوة إلى صداقة وولاء شديدين.
وفي الآية الثانية تنويه بهذه المقابلة وفاعلها وإشارة إلى أن ذلك لا يكون إلا من الذين تجملوا بالصبر وضبط والنفس وكانوا على حظ عظيم من كرم الخلق.
وفي الآية الثالثة تنبيه موجه بأن الشيطان إذا حاول أن يوسوس له بسوء ليحول بينه وبين فعل الخير أو يدفعه إلى الشر ويثير فيه الغضب والنزق فليسارع إلى الاستعاذة بالله السميع العليم.
تعليق على آية
ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن
وما بعدها.
والآيات الثلاث منسجمة مع بعضها أولا، ومتصلة بسابقتها اتصال سياق وموضوع ثانيا، فليس من أحد أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا في مجال المقايسة والمفاضلة كما أنه لا يمكن التسوية بين الحسنة والسيئة، ومن حسن خلق المسلم الذي قال ربي الله ثم استقام أن يتخلق بكل خلق كريم.
والمتبادر أن كلمتي الحسنة والسيئة تتناولان الأفعال والأقوال معا، وصيغة الأمر في الآيات يمكن أن تكون موجهة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويمكن أن تكون موجهة للسامع وبخاصة للسامع المسلم، ونحن نرجح هذا لأنه متسق مع روح الآيات. على أنها إذا كانت موجهة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن الخطاب يشمل أيضا كل مسلم كما هو المتبادر.
وفي الآيات تعليم قرآني جليل مستمر الإلهام والمدى، فمقابلة السيئة بالسيئة يورث العداء والأحقاد بعكس مقابلة السيئة بالحسنة التي تقلب العدو صديقا وتدل على نبل النفس وكرم الخلق. وقد يندفع المرء أحيانا إلى مقابلة السيئة بالسيئة، ففي هذا الموقف يجب على المسلم أن ينتبه إلى أن هذا إنما يكون من نزعات الشيطان ووساوسه، وألا يندفع فيه، وأن يجنح إلى الأفضل الذي يليق بإسلامه وهو الصبر ودفع السيئة بالحسنة.
ولقد مر في سورة الأعراف آيتان مماثلتان لهذه الآيات بعض الشيء في العبارة والهدف وهما : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ( ١٩٩ ) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ( ٢٠٠ ) حيث يبدو من ذلك اهتمام القرآن العظيم لبث روح الخير والتسامح وضبط النفس والبعد عن النزق والغضب ومقابلة السوء بمثله في نفس المسلم.
بل إن القرآن لم يكتف بهذا حيث احتوى آيات أوجبت على المسلم أن تكون صلاته ومعاملاته مع جميع الفئات من أقارب وأجانب وأغنياء وفقراء وعبيد على أساس الإحسان وحثته على ألا يكتفي بما يجب عليه من العدل وتقوى الله، بل يتجاوزهما إلى ما هو خير منهما وهو الإحسان كما ترى في هذه الآيات :
واعبدو الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا [ النساء/٣٦ ].
ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين [ المائد/٩٠ ].
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [ النحل/٩٠ ].
وقد توهم جملة وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ( ٣٥ ) أنها بسبيل بيان صعوبة الأمر. وعلى احتمال ذلك فإنها قصدت إلى التنويه بالفعل وفاعله وتعظيم شأنهما أيضا بل نحن نظن أن هذا القصد هو الأكثر ورودا إن شاء الله.
وليس من محل لتوهم التناقض بين هذا التلقين المنطوي في الآيات وبين ما جاء في آيات مكية ومدنية عديدة على ما سوف يأتي بعد من تسويغ مقابلة العدوان بمثله وانتصار المسلم من بغي ينزل به وبإخوانه. فهذا التلقين كما يتبادر لنا هو في صدد السلوك الشخصي بين الناس وبين المسلمين. ويمكن أن يصرف إلى ما يكون فيه بغي وعدوان شديدا النكاية والأذى. كما أن التنوع في التلقين يمكن أن يصرف إلى ما هو طبيعي من تنوع ظروف البشر أفرادهم وجماعاتهم ليسير الناس فيما يواجههم من هذه الظروف سيرا منسجما مع روح القرآن عامة. وهي العفو عند المقدرة حينما لا يكون سببا في ازدياد الشر والبغي. ويؤدي إلى الهدوء والسكينة والرضا ومقابلة البغي بمثله حينما لا يكون بد من ذلك. والنظام العام هو عدم بدء المسلم غيره بالسوء والبغي، وأن يكون هذا منه مقابلة ودفاعا. وفي سورة الشورى التي تلي هذه السورة فصل احتوى تلقينا في صدد هذه المواقف المتنوعة يصح أن يكون فيه قرينة على صواب ما نقرره إن شاء الله، على ما سوف يأتي شرحه بعد هذه السورة.
ولقد رويت أحاديث عديدة صحيحة في موضوع معاملة الناس بالحلم والصبر وحسن الخلق، منها حديث رواه الثلاثة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :( ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب )١. وحديث رواه أبو داود والترمذي عن سهل بن معاذ عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :( من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور العين شاء )٢. وحديث رواه البخاري والترمذي وأحمد عن أبي هريرة قال :( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : علمني شيئا ولا تكثر علي لعلي أعيه. قال : لا تغضب فردد ذلك يقول لا تغضب )٣. وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن أبي الدرداء قال :( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء )٤. وحديث رواه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن عائشة قال :( سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم )٥. وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال :( سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ فقال : تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار ؟ فقال : الفم والفرج )٦. وحديث رواه الترمذي عن أبي ذر قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن )٧. وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( خياركم أحاسنكم أخلاقا )٨. حيث ينطوي في هذه الأحاديث تلقين نبوي جليل متساوق مع التلقين القرآني مثل كل شأن.
هذا، ولقد احتوت سورة الأعراف آية مماثلة للآية [ ٣٦ ] من الآيات التي نحن في صددها، وعلقنا على مداها بما يغني عن التكرار.



تعليق على رواية عجيبة
في صدد نزول الآية [ ٣٥ ].
ولقد روى البغوي عن مقاتل أن الآية [ ٣٥ ] نزلت في أبي سفيان بن حرب ؛ لأنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أسلم وصار وليا بالإسلام حميما بالقرابة. وهذه الرواية من أعجب الأمثلة على الأخذ بالروايات دون تمعن في النص والملابسة. فزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببنت أبي سفيان وقع بعد الهجرة بست سنوات ولم يكن لأبيها يد فيه حيث كانت في الحبشة مترملة عن عبد الله بن جحش الذي هاجرت معه في الهجرة الأولى. وقد خطبها النبي وعقد له عليها وهي في الحبشة، وقدمت إليه رأسا منها. وإسلام أبيها كان في ظرف فتح مكة بعد سنتين ولم يرو أحد بعد أن الآية مدنية، وعبارة الآية المنسجمة مع ما قبلها وما بعدها لا يمكن أن تتسق مع الرواية قط.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير