أي: هذه الخصلة وهذه المنزلة منزلة الدفع بالتي هي أحسن، هذه الخصلة لا ينالها ولا يتحلَّى بها إلا الذين صبروا على الأذى، ولا يصل إليها إلا ذو حظ عظيم. يعني: نصيب وافر من العطاء، لماذا؟ لأنه كبتَ نفسه وأمسكها عن الردِّ بالمثل، فلما كبتَ نفسه من أجل الله جعل اللهُ عاقبته خيراً، وأجزل له العطاء.
ونلحظ هنا على الأداء القرآني تكرار عبارة وَمَا يُلَقَّاهَا.. فلم يقُلْ الحق سبحانه: وما يُلقاها إلا الذين صبروا وذو حظ عظيم.. قالوا: تكررت العبارة لأن التلقي مختلف، هذا تلقي صبر، وهذا تلقى جزاء... وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ.. صبروا على الإيذاء، وصبروا على ضبط النفس، وصبروا على مغالبة الشيطان الذي يُوسوس لهم بالانتقام ويُزيِّن لهم الردَّ بالمثل. وكانت عاقبة الصبر الجزاء والحظ الوافر.
وينبغي ألاَّ نغفل دور الشيطان في هذه القضية، فمهمته أن يلهب نار العداوة بين الناس، وأن يشعل الفتن ليلهيهم بها عن مطلوبات الله فسوف يوسوس لك: لماذا تتسامح وقد أُسيء إليك، لماذا تقبل الذل؟ أهو أفضل منك؟
لأن إبليس منذ أُمِر بالسجود لآدم فأبَى، وكانت النتيجة أنْ صار ملعوناً مطروداً من رحمة الله منذ هذا الموقف، والعداء مُستحكم بينه وبين ذرية آدم، ولن يتركهم حتى يُوردهم نفس مورده.
تفسير الشعراوي
الشعراوي