ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ ﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏ

الثالث- تمني الأماني بلا عمل، فيحسب أن له الجنة والكرامة مع سوء وضعه.
٣- استحقاق العذاب: أقسم الله قسما غليظا لا حنث فيه أنه سيجزي الكافرين بما عملوا من المعاصي، وأنه سيذيقهم العذاب الشديد.
٤- سوء الأفعال: ترى الإنسان حال النعمة يترفع عن الانقياد إلى الحق، ويتكبر على أنبياء الله، وإذا أصيب بمكروه، أكثر في الدعاء، وهذا يدل على أن الكافر يعرف ربه في البلاء، ولا يعرفه في الرخاء.
ضرورة التأمل في الآيات والأنفس:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٥٢ الى ٥٤]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)
الإعراب:
مَنْ أَضَلُّ من: استفهامية في موضع رفع بالابتداء، وأَضَلُّ: الخبر، والجملة منهما سدّت مسدّ مفعولي أَرَأَيْتُمْ. وقرئ «أريتم» بحذف الهمزة الثانية للتخفيف.
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَنَّهُ الْحَقُّ: في موضع رفع فاعل يَتَبَيَّنَ. وهاء أَنَّهُ إما لله تعالى، أو للقرآن، أن للنبي صلّى الله عليه وسلّم. والظاهر الثاني.
أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ الباء زائدة ولا تزاد في الفاعل إلّا مع كفى، ومفعول يَكْفِ محذوف تقديره: أو لم يكفك ربّك. وأَنَّهُ إما في موضع جر على البدل من ربك على اللفظ، أو في موضع رفع على البدل من ربك على الموضع، أو في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، أي لأنه على كل شيء شهيد.

صفحة رقم 14

البلاغة:
أَرَأَيْتُمْ فيها مجازان: مجاز استعمال رأى بمعنى أبصر في الإخبار، لأن الرؤية طريق للعلم بالشيء، والعلم به طريق إلى الإخبار عنه، فاستعملت صيغة طلب الرؤية في طلب الإخبار بجامع مطلق الطلب. ومجاز استعمال الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار.
المفردات اللغوية:
أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ كانَ القرآن ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ من غير نظر واتباع دليل مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أي لا أحد أضل منكم أي أكثر ضلالا ممن هو في خلاف كبير بعيد عن الحق. وقد أوقع هذه الجملة: مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ موقع (منكم) لبيان حالهم، وتوضيح مزيد ضلالهم. والمعنى: إذا كفرتم بالقرآن فليس هناك في الدنيا أكثر ضلالا منكم يا قريش بسبب مخالفتكم الشديدة المغرقة في البعد عن الحق.
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ سنطلعهم على عظمة آياتنا وصدقها في أقطار السماء والأرض، وسيتبين لهم في المستقبل واقع ما أخبرناهم بهم من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية، وما يحققه المسلمون من فتوحات في أرجاء الدنيا على وجه خارق للعادة. والْآفاقِ نواحي الأرض والسموات وَفِي أَنْفُسِهِمْ من إبداع الصنع وعظمة التركيب وما حل بأهل مكة حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ حتى يظهر لهم أن القرآن هو الحق الثابت المنزّل من الله المشتمل على نظام الدنيا الأصلح، ومعرفة حقائق الآخرة من البعث والحساب والعقاب أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أي أولم تحصل الكفاية بربك، أو أو لم يكفهم في أنه حق وفي صدقك أن ربك على كل شيء شهيد، أي لا يغيب عنه شيء ما. والمعنى: إن هذا الموعود به من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل من المطّلع المهيمن على كل شيء، حاضره وغائبه، فيكفيهم ذلك دليلا على أنه حق وأنه من عند الله. وقوله: شَهِيدٌ أي شاهد على كل ما يفعله الخلق.
مِرْيَةٍ شك مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أي من البعث بعد الموت أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ أي إنه تعالى عالم بكل الأشياء مجملها وتفصيلها، وعالم بمقدارها، فيجازيهم بكفرهم.

صفحة رقم 15

المناسبة:
بعد بيان وعيد المشركين، على الشرك، ورجوعهم عنه في يوم القيامة، وإظهار تبدل أحوال الإنسان، بالتعاظم عند القوة، والتصاغر والذل عند الضعف، أوجب الله تعالى التأمل والتفكر في آيات الله وفي الأنفس، ليعلموا أن القرآن حق منزّل من عند الله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها.
التفسير والبيان:
قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن: أخبروني عن حالكم ماذا أنتم فاعلون، إن كان هذا القرآن من عند الله حقا، ثم كذبتم به ولم تقبلوه ولا عملتم بما فيه، أفلا تكونون أعداء للحق والصواب؟ بل لا أحد أضلّ منكم لشدة عداوتكم، وإمعانكم في الكفر والعناد ومجانبة الحق ومخالفته.
ثم دعاهم إلى التأمل والتفكر في الآيات والأنفس، فقال:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أي سنظهر لهم دلالات صدق القرآن، وعلامات كونه من عند الله في أقطار السموات والأرض المشتملة على خلق الشمس والقمر والنجوم، وتعاقب الليل والنهار، وأحداث الكون الرهيبة من الأعاصير والبراكين والصواعق، وعظمة الجبال والبحار، وإبداع صنع النباتات والأشجار، وما يحدث في الأرض من فتوحات كبري على أيدي المسلمين في أرجاء الأرض المحيطة بمكة والجزيرة العربية. وهذا الإخبار عن الغيب معجزة.
وسنظهر صدق القرآن وأنه منزل من عند الله أيضا في خلق أنفس البشر، وما فيها من إبداع الصنعة، وعظمة التركيب: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ

صفحة رقم 16

[الذاريات ٥١/ ٢١]، وفي مصائر الناس وتبدل أحوال أهل مكة العتاة من سادة متكبرين إلى أذلة صاغرين.
كل ذلك ليعرفوا من هذه الوقائع والأحداث والخلائق ويتبينوا بجلاء أن القرآن ومنزله ومن أنزل عليه حق وصدق لا شك فيه.
وإذا لم ينظروا ويتأملوا، فتكفي شهادة الله بأن القرآن حق، فقال تعالى:
أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ؟ أي كفى بالله شاهدا على أفعال عباده وأقوالهم، من الكفار وغيرهم، وكفى به شاهدا على أن القرآن منزل من عنده.
ثم أوضح الله تعالى سبب عنادهم وإصرارهم على كفرهم، فقال:
أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ، أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ. ألا أيها المخاطب، إن كفار قريش وأمثالهم في شك من البعث والحساب والثواب والعقاب، ألا أيها الإنسان، إن الله قد أحاط علمه بجميع المعلومات، وأحاطت قدرته بجميع المقدورات، فهو محيط بكل شيء علما وقدرة، والمخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته، وفي مرصد علمه، وهو المتصرف فيها كلها بحكمة، وسيجازي الكفار وغيرهم على أعمالهم، فما لهم يشكون في البعث والنشور، وقد علموا أن الله خلقهم أول مرة؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- بما أن القرآن نزل بلغة العرب، وهم أدرى الناس به وبصحته، فلا أحد أضل منهم في الإعراض عنه، لفرط الشقاق والعداوة.

صفحة رقم 17

٢- أقام الله تعالى أدلة وعلامات كثيرة على وحدانيته وقدرته، منها آيات الآفاق والأنفس، وآيات الآفاق: هي الآيات الفلكية والكوكبية، وآيات الليل والنهار، وآيات الأضواء والظلمات، وآيات عالم العناصر الأربعة (الماء والتراب والهواء والنار) وكذا فتح البلاد المحيطة بمكة.
وآيات الأنفس: كيفية تكون الأجنة في ظلمات الأرحام، وتخلق الأعضاء العجيبة، والتركيبات والخواص الغريبة، وكذا فتح مقر الشرك مكة.
فإبداع الكون سمائه وأرضه، وإبداع خلق الإنسان وما يطرأ على البلاد من تغيرات الفتوح والممالك والسلاطين، وعلى الناس من تبدل من عزة إلى ذلة وبالعكس، دليل على وجود الله المتصرف في مخلوقاته، المهيمن على عباده، المدبر لكل شيء يحدث في الوجود.
٣- كفى بالله شاهدا على أنه خلق الدلائل على الأشياء، وعلى أفعال وأقوال عباده، وكفى به شاهدا على أن القرآن من عند الله، كما قال تعالى: قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ: اللَّهُ [الأنعام ٦/ ١٩] وقال سبحانه: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء ٤/ ١٦٦].
والمقصود: ألم تكفهم هذه الدلائل الكثيرة التي أوضحها الله تعالى وقررها في هذه السورة وغيرها من سور القرآن الدالة على التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة؟! ٤- إن مشركي مكة وأمثالهم في شك عظيم وشبهة شديدة من البعث والقيامة، ولكن الله تعالى عالم بكل شيء، فيعلم بواطن هؤلاء الكفار وظواهرهم، ويجازي كل أحد على فعله بحسب ما يليق به، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

صفحة رقم 18

والخلاصة: أن سبب الكفر والشرك هو إنكار يوم القيامة، وحجب الأنظار عن التأمل في آيات الكون والأنفس، ولكن الزمن كفيل ببيان صدق الآيات، وأن الكفار مخطئون فيما اعتقدوا.

صفحة رقم 19

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشورى
مكيّة، وهي ثلاث وخمسون آية.
تسميّتها:
سميت (سورة الشورى) لوصف المؤمنين فيها بالتشاور في أمورهم:
وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [٣٨] ولأن الشورى في الإسلام قاعدة النظام السياسي والاجتماعي بل والخاص في الحياة، لما لها من مكانة، وأهمية بالغة في تحقيق المصلحة والغاية الناجحة، ولأن الاستبداد يؤدي دائما إلى أوخم العواقب:
رأي الجماعة لا تشقى البلاد به على الدوام ورأي الفرد يشقيها «١»
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها فيما يلي:
١- وصف الكتاب العزيز، وتأكيد نزول الوحي به على قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإثبات الساعة (يوم القيامة).
٢- مناقشة عقائد الكفار وتهديدهم ووعيدهم، وإثبات وجود الله ووحدانيته وحكمته وقدرته بالأدلة الكونية المشاهدة، وبالمخلوقات الأرضية الصناعية وغيرها.
(١) للشاعر المرحوم حافظ إبراهيم.

صفحة رقم 20

٣- ترغيب المؤمنين بالاستقامة المؤدية إلى الجنة ونعيمها، وتحذير الكافرين من الانحراف أو الإعراض عن هداية الله المؤدي إلى النار وأهوالها.
٤- تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم عما يلقاه من أذى قومه ومطاعنهم.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسائر السور المكية مختص بالعقيدة القائمة على الإيمان بوحدانية الله، وصحة الرسالة النبوية، والتصديق بالبعث والجزاء، ومحورها الأساسي الكلام عن ظاهرة الوحي.
لذا ابتدأت بالحديث عن الوحي الذي أنزله الله على جميع الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله لتبليغ رسالته إلى الناس.
ثم عرضت لما لله من هيبة وجلال تكاد السموات تتفطر منهما، وأن الملائكة تستغرق في تسبيحه وتمجيده، وأنه الرقيب على أعمال المشركين، ثم انتقلت إلى بيان كون القرآن عربيا، وأن الإيمان بالله اختياري لا قسري.
ثم أبانت أسباب الاختلاف في الأمة المسلمة وطريق علاجها بتحكيم كتاب الله، وأوضحت ضرورة اختلاف الشرائع الإلهية الموحى بها في الجزئيات حسبما يتفق مع مصلحة البشر، مع اتفاقها في الأصول الاعتقادية والإصلاحية والعبادات، ثم نددت بالمختلفين في الأديان وجعلت خلافهم بغيا وعدوانا وظلما، فالدين واحد في أصله، ورسالات الأنبياء تكمل بعضها بعضا، وبينها قدر مشترك هو الإسلام، أي الانقياد والخضوع لله عز وجل: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ... الآية [١٣].
ثم فنّدت حجة المنكرين لرسالة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم بعد أن تبين صدقها وصحتها، وهددت باقتراب الساعة التي يستعجل بها المشركون ويشفق منها

صفحة رقم 21

المؤمنون، وقرنت التفنيد والتهديد بتهويل العذاب الشديد المنتظر يوم القيامة، وبوصف نعيم الجنان وروضاتها لتبشير المؤمنين الذين يعملون الصالحات.
وتحدثت عن مبدأين ضروريّي المعرفة لكل إنسان في الدنيا: وهما أن الرزق بيد الله ينزله بحسب المصلحة، وأن العامل للدنيا وحدها يحرم خير الآخرة، والعامل للآخرة يمنح خير الدنيا معها.
ثم أقامت الأدلة على وجود الله من خلق السموات والأرض وما فيهما والتصرف بهما والقدرة عليهما، وإجراء السفن في البحار، فكل ذلك أثر صنع الله.
وأعقبت ذلك بالإشادة بمن يعمل للآخرة، ويجتنب الفواحش، ويعفو عند المقدرة، ويستحب لربه، ويقيم الصلاة، ويستشير أهل الخبرة والمعرفة، وينتصر من أهل البغي والعدوان، ويؤثّر العفو والصفح والصلح، ويقتصر على الجزاء بالمثل، ويصبر في المحنة.
وأردفت ذلك ببيان أهوال النار وخسارة أهلها، وفقدانها النصر، وتمنيهم العودة إلى الدنيا حين رؤية العذاب، وهم أذلة صاغرون. وناسب هذا دعوة الناس جميعا إلى الاستجابة لدعوة الله والانقياد لحكمه وشرعه قبل المفاجأة بيوم القيامة الذي لا شك فيه ولا مرد له: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ... [٤٧].
والاستجابة تكون تلقائية اختيارية لا قهر فيها، وما على الرسول إلا البلاغ.
ثم ختمت السورة أولا بتأكيد كون ملك السموات والأرض لله، يهب الأولاد أو لا يهب بحسب المشيئة، وثانيا ببيان أقسام الوحي، وعظمة القرآن خاتم

صفحة رقم 22

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية