ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ

ثم برهن على بطلان التقليد الرديء، فقال :
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : وإِذ قال إبراهيمُ أي : واذكر وقت قوله عليه السلام ولأبيه وقومه المُنكّبين على التقليد، كيف تبرأ مما هم فيه بقوله : إِنني بَرَاء أي : بريء مما تعبدون ، وتمسك بالبرهان. وذكر قصته ليسلكوا مسلكه في الاستدلال، أو : ليقلدوه، إن لم يكن لهم بُد من التقليد ؛ فإنه أشرف آبائهم. و " برَاء " : مصدر، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والمذكر والمؤنث، كرجل عدل، وامرأة عدل، وقوم عدل. و " ما " : إما مصدرية، أو : موصولة، أي : بريء من عبادتكم ومن معبودكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كان إبراهيم عليه السلام إمام أهل التوحيد، لقوله تعالى : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً [ البقرة : ١٢٤ ]، وجعل الدعوة إليه في عقبه إلى يوم القيامة، وهو على قسمين : توحيد البرهان، وتوحيد العيان. وقد جاءت بعده الرسل بالأمرين معاً، وقام بها خلفاؤهم بعدهم، فقام بالأول العلماء، وقام بالثاني خواص الأولياء، أهل التربية الحقيقية، ولا ينال من توحيد العيان شيئاً مَن علق قلبه بالشهوات الجسمانية، والحظوظ الفانية، كما قال الششتري رضي الله عنه :

ترَكْنا حُظوظاً من حضيض لُحُوظنا مع المقصد الأقصى إلى المطلب الأسنى
وكل مَن تمتع بذلك، وانهمك فيه حُرِمَ بركة صحبة العارفين ؛ إذ يمنعه ذلك من حط رأسه، ودفع فلسه، فينخرط في سلك قوله تعالى : بل متعتُ هؤلاء وآباءهم... الآية. وكل زمان له رسول، خليفةً عن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الحق ومعرفته. وبالله التوفيق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير