ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

وجعلها أي : وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد التي تكلّم بها، وهي قوله : إِنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني ، كلمة باقية في عَقِبهِ أي : في ذريته، حيث وصَّاهم بها، كما نطق به قوله تعالى : وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ. . . [ البقرة : ١٣٢ ]، فلا يزال فيهم مَن يوحّد الله تعالى، ويدعوهم إلى توحيده. لعلهم يرجعون أي : جعلها باقية في ذريته رجاء أن يرجع إليها مَن أشرك منهم بدعاء الموحّد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كان إبراهيم عليه السلام إمام أهل التوحيد، لقوله تعالى : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً [ البقرة : ١٢٤ ]، وجعل الدعوة إليه في عقبه إلى يوم القيامة، وهو على قسمين : توحيد البرهان، وتوحيد العيان. وقد جاءت بعده الرسل بالأمرين معاً، وقام بها خلفاؤهم بعدهم، فقام بالأول العلماء، وقام بالثاني خواص الأولياء، أهل التربية الحقيقية، ولا ينال من توحيد العيان شيئاً مَن علق قلبه بالشهوات الجسمانية، والحظوظ الفانية، كما قال الششتري رضي الله عنه :

ترَكْنا حُظوظاً من حضيض لُحُوظنا مع المقصد الأقصى إلى المطلب الأسنى
وكل مَن تمتع بذلك، وانهمك فيه حُرِمَ بركة صحبة العارفين ؛ إذ يمنعه ذلك من حط رأسه، ودفع فلسه، فينخرط في سلك قوله تعالى : بل متعتُ هؤلاء وآباءهم... الآية. وكل زمان له رسول، خليفةً عن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الحق ومعرفته. وبالله التوفيق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير