قوله تعالى : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون َبَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِين ٌوَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ .
الضمير المنصوب في جعلها على التحقيق راجع إلى كلمة الإيمان المشتملة على معنى لا إله إلا الله، المذكورة في قوله إنني بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الذي فطرني [ الزخرف : ٢٦ -٢٧ ] لأن لا إله إلا الله نفي وإثبات، فمعنى النفي منها هو البراءة من جميع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات.
وهذا المعنى جاء موضحاً في قوله إنني بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ [ الزخرف : ٢٦ ].
ومعنى الإثبات منها هو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله.
وهذا المعنى جاء موضحاً في قوله : إِلاَّ الذي فطرني فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ .
وضمير الفاعل المستتر في قوله وَجَعَلَهَا [ الزخرف : ٢٨ ].
قال بعضهم : هو راجع إلى إبراهيم وهو ظاهر السياق.
وقال بعضهم : هو راجع إلى الله تعالى.
فعلى القول الأول فالمعنى صيَّر إبراهيم تلك الكلمة باقية في عقبه أي ولده وولد ولده.
وإنما جعلها إبراهيم باقية فيهم لأنه تسبب لذلك بأمرين :
أحدهما : وصيته لأولاده بذلك وصاروا يتوارثون الوصية بذلك عنه، فيوصي به السلف منهم الخلف، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ في الآخرة لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين َوَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بني إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ [ البقرة : ١٣٠ -١٣٢ ].
والأمر الثاني هو سؤاله ربه تعالى لذريته الإيمان والصلاح، كقوله تعالى وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إني جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذريتي [ البقرة : ١٢٤ ]، أي واجعل من ذريتي أيضاً أئمة، وقوله تعالى عنه رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذريتي [ إبراهيم : ٤٠ ] وقوله عنه وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أَن نَّعْبُدَ الأصنام [ إبراهيم : ٣٥ ] وقوله عنه هو وإسماعيل رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ إلى قوله رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [ البقرة : ١٢٨ -١٢٩ ].
وقد أجاب الله دعاءه في بعث الرسول المذكور ببعثه محمداً صلى الله عليه وسلم.
ولذا جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «أنا دعوة إبراهيم ».
وقد جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، كما قال تعالى في سورة العنكبوت وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [ العنكبوت : ٢٧ ]، وقال عنه وعن نوح في سورة الحديد وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [ الحديد : ٢٦ ] الآية.
وعلى القول الثاني، أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فلا إشكال.
وقد بين تعالى في آية الزخرف هذه، أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته، ولم يجعل الكلمة باقية في جميع عقبه، لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا صلى الله عليه وسلم من عقبه بإجماع العلماء، وقد كذبوه صلى الله عليه وسلم وقالوا إنه ساحر. وكثير منهم مات على ذلك. وذلك في قوله تعالى بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء يعني كفار مكة وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين، هو محمد صلى الله عليه وسلم وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ .
وما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة المذكورة باقية فيهم، دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة : قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : ١٢٤ ] أي الظالمين من ذرية إبراهيم.
وقوله تعالى في الصافات وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ [ الصافات : ١١٣ ].
فالمحسن منهم هو الذي الكلمة باقية فيه، والظالم لنفسه المبين منهم ليس كذلك.
وقوله تعالى في النساء فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيما ًفَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً [ النساء : ٥٤ -٥٥ ].
وقد بين تعالى في الحديد أن غير المهتدين منهم كثيرون وذلك في قوله وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [ الحديد : ٢٦ ].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي جعل الكلمة باقية فيهم لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد المؤمنين لمهتدين منهم، لأن الحق ما دام قائماً في جملتهم فرجوع الزائغين عنه إليه مرجو مأمول كما دل عليه قوله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الزخرف : ٢٨ ].
والرجاء المذكور بالنسبة إلى بني آدم، لأنهم لا يعرفون من يصير إلى الهدى، ومن يصير إلى الضلال.
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة، وفي الكلام تقديم وتأخير.
والمعنى فإنه سيهدين لعلهم يرجعون، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون، أي قال لهم، يتوبون عن عبادة غير الله. ا ه منه.
وإيضاح كلامه، أن المعنى أن إبراهيم، قال لأبيه وقومه : إنني براء مما تعبدون لأجل أن يرجعوا عن الكفر إلى الحق.
والضمير في قوله لعلهم يرجعوا على هذا راجع إلى أبيه وقومه.
وعلى ما ذكرناه أولاً فالضمير راجع إلى من ضل من عقبه، لأن الضالين منهم داخلون في لفظ العقب.
فرجوع ضميرهم إلى العقب لا إشكال فيه وهذا القول هو ظاهر السياق، والعلم عند الله تعالى.
مسألة
ظاهر هذه الآيات الكريمة التي ذكرنا يدل على اتحاد معنى العقب والذرية والبنين، لأنه قال في بعضها عن إبراهيم وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أَن نَّعْبُدَ الأصنام [ إبراهيم : ٣٥ ].
وقال عنه في بعضها رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرِّيَتِي [ إبراهيم : ٤٠ ] وفي بعضها رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة [ إبراهيم : ٣٧ ] الآية، وفي بعضها قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي [ البقرة : ١٢٤ ] وفي بعضها وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [ العنكبوت : ٢٧ ] وفي بعضها وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً في عَقِبِهِ [ الزخرف : ٢٨ ].
فالظاهر المتبادر من الآيات أن المراد بالبنين والذرية والعقب شيء واحد، لأن جميعها في شيء واحد. وبذلك تعلم أن ظاهر القرآن، يدل على أن من وقف وقفاً أو تصدق صدقة على بنيه أو ذريته أو عقبه، أن حكم ذلك واحد.
وقد دل بعض الآيات القرآنية على أن أولاد البنات يدخلون في اسم الذرية واسم البنين.
وإذا دل القرآن على دخول ولد البنت، في اسم الذرية والبنين والفرض أن العقب بمعناهما، دل ذلك على دخول أولاد البنات في العقب أيضاً، فمن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم الذرية قوله تعالى وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إلى قوله وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ [ الأنعام : ٨٤ -٨٥ ] وهذا نص قرآني صريح في دخول ولد البنت في اسم الذرية، لأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولد بنت إذ لا أب له.
ومن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم البنين قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [ النساء : ٢٣ ] وقوله تعالى وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت [ النساء : ٢٣ ] لأن لفظ البنات في الألفاظ الثلاثة، شامل لبنات البنات وبنات بناتهن وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صحيح في استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن.
فتحصل أن دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية والبنين والعقب، هو ظاهر القرآن ولا ينبغي العدول عنه.
وكلام فقهاء الأمصار من الأئمة الأربعة وغيرهم في الألفاظ المذكورة معروف، ومن أراد الاطلاع عليه فلينظر كتب فروع المذاهب ولم نبسط على ذلك الكلام هنا لأننا نريد أن نذكر هنا ما يدل ظاهر القرآن على ترجيحه من ذلك فقط.
أما لفظ الولد فإن القرآن يدل على أن أولاد البنات لا يدخلون فيه.
وذلك في قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أَوْلَادِكُمْ [ النساء : ١١ ] الآية، فإن قوله في أولادكم لا يدخل فيه أولاد البنات، وذلك لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص صريح قرآني على عدم دخول أولاد البنات في اسم الولد.
وإن كان جماهير العلماء على أن العقب والولد سواء.
ولا شك أن اتباع القرآن هو المتعين على كل مسلم.
أما لفظ النسل فظاهر القرآن شموله لأولاد البنات لأن قوله تعالى ذالِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الذي أَحْسَنَ كُلَّ شيء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ [ السجدة : ٦ -٨ ] ظاهر في أن لفظة النسل في الآية شاملة لأولاد البنات كما لا يخفى.
والألفاظ التي يتكلم عليها العلماء في هذا المبحث هي أحد عشر لفظاً ذكرنا خمسة منها وهي : الذرية والبنون والعقب والولد والنسل. وذكرنا أن أربعة منها يدل ظاهر القرآن على أنها يدخل فيها أولاد البنات وواحد بخلاف ذلك وهو الولد.
وأما الستة الباقية منها فهي الآل والأهل ومعناهما واحد.
والقرابة والعشيرة والقوم والموالي، وكلام العلماء فيها مضطرب.
ولم يحضرني الآن تحديد يتميز به ما يدخل في كل واحد منها وما يخرج عنه إلا على سبيل التقريب إلا لفظين منها وهما القرابة والعشيرة.
أما القرابة فقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم «أنه أعطى من خمس خيبر بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل » مبيناً أن ذلك هو معنى قوله تعالى فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ولذي الْقُرْبَى [ الأنفال : ٤١ ] كما تقدم إيضاحه في سورة الأنفال في الكلام على آية الخمس هذه.
وأما العشيرة فقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس أنه لما نزلت وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين [ الشعراء : ٢١٤ ] صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي «يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا » الحديث. وفيه تحديد العشيرة الأقربين بجميع بني فهر بن مالك وهو الجد العاشر له صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية أبي هريرة في الصحيح. أنه لما نزلت الآية المذكورة قال «يا معشر قريش أو كلمة نحوها
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان