وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن ءالِهَةً يُعْبَدُونَ قال الزهري، وسعيد بن جبير، وابن زيد : إن جبريل قال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به. فالمراد : سؤال الأنبياء في ذلك الوقت عند ملاقاته لهم، وبه قال جماعة من السلف. وقال المبرد، والزجاج، وجماعة من العلماء : إن المعنى واسأل أمم من قد أرسلنا. وبه قال مجاهد، والسدّي، والضحاك، وقتادة، وعطاء، والحسن. ومعنى الآية على القولين : سؤالهم هل أذن الله بعبادة الأوثان في ملة من الملل، وهل سوّغ ذلك لأحد منهم ؟ والمقصود : تقريع مشركي قريش بأن ما هم عليه لم يأت في شريعة من الشرائع.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي أن قريشاً قالت : قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد رجلاً يأخذه، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله، فأتاه، وهو في القوم، فقال أبو بكر : إلاّم تدعوني ؟ قال : أدعوك إلى عبادة اللات والعزّى. قال أبو بكر : وما اللات ؟ قال : أولاد الله. قال : وما العزّى. قال : بنات الله. قال أبو بكر : فمن أمهم ؟ فسكت طلحة، فلم يجبه، فقال لأصحابه : أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة : قم يا أبا بكر أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، فأنزل الله : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن الآية. وثبت في صحيح مسلم، وغيره أن مع كل إنسان قريناً من الجنّ. وأخرج ابن مردويه عن عليّ في قوله : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ قال : ذهب نبيه صلى الله عليه وسلم، وبقيت نقمته في عدوّه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وعدناهم قال : يوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من طرق عنه في قوله : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ قال : شرف لك ولقومك. وأخرج ابن عدّي، وابن مردويه عن عليّ، وابن عباس قالا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة، ويعدهم الظهور، فإذا قالوا : لمن الملك بعدك ؟ أمسك، فلم يجبهم بشيء ؛ لأنه لم يؤمر في ذلك بشيء حتى نزلت : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ، فكان بعد إذا سئل قال : قريش، فلا يجيبونه حتى قبلته الأنصار على ذلك. وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن ابن عباس في قوله : وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا قال : اسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني