ﮯﮰﮱﯓ

قوله :«فجعلناهم سلفاً » قرأ الأخوان سُلُفاً بضمتين١، والباقون بفتحتين، فأما الأولى فتحتمل ثلاثة أوجه :
أحدهما : أنه جمع سَليفٍ، كرَغِيفٍ، ورُغُفٍ، وسمع القاسم٢ بن معن من العرب معنى سَليف من الناس والسيلفُ من الناس كالغَرِيقِ منهم٣.
والثاني : أنها جمع ساَلِف، كَصَابرٍ، وصُبُرٍ٤.
الثالث : أنها جمع سَلَفٍ كَأَسَدٍ وأُسُدٍ٥.
والثانية تحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون جمعاً لسَالفٍ، كحَارِسٍ وحَرَسٍ، وخَادِمٍ وخَدَمٍ، وهذا في الحقيقة اسم جمع لا جمع تكسير، إذ ليس في أبنية التكسير صيغة فَعَلٍ.
والثاني : أنه مصدر يطلق على الجماعة، تقول : سَلُفُ الرَّجُلُ يَسْلُفُ سَلَفاً أي تقدم، والسلف : كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ من عمل صالحٍ، أو قرضٍ فهو سَلَفٌ، وسَلَفُ الرَّجُلِ آبَاؤُهُ المتقدمون، والجمع أَسْلاَفٌ وسُلاَّفٌ٦ قال طفيل :

٤٤١٤ مَضَوْا سَلَفاً قَصَدَ السَّبِيلُ عَلَيْهِم صُرُوفُ المَنَايَا بِالرِّجَالِ تَقَلَّبُ٧
وقرأ عليٌّ مُجَاهِدٌ رضي الله عنهما٨ سُلَفاً٩ بضم السين. وفيه وجهان :
أشهرهما : أنه جمع سُلْفَةٍ كغُرْفَةٍ وغُرَفٍ١٠. والسُّلْفَة الأُمَّةُ.
وقيل : الأصل سُلُفاً بضمتين، وإنَّما أبدل من الضمة فتحة١١.
وقوله :«مَثَلاً » إما مفعول ثان إن كانت بمعنى صير، وإلاَّ حالاً١٢. قال الفراءُ١٣ والزجاجُ١٤ : جعلناهم متفرقين ليتعظ بهم الآخرون، وهم كفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى ومثلاً للآخرِينَ أي عِظة لمن بقي بعدهم وعبرة.
قال أبو علي الفارسي : المَثَلُ واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف والدليل على وقوعه ( على ) أكثر من واحد قوله تعالى : ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً [ النحل : ٧٥ ]. فأدخل تحت المَثَل شَيْئَيْن١٥ وقيل : المعنى سلفاً لكفار هذه الأمة إلى النار، ومثلاً لمن يجيء بعدهم.
١ هي قراءة متواترة انظر السبعة ٥٨٧ ومعاني الفراء ٢/٣٦..
٢ هو القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الصحابي أبو الإمام أبي عبد الله المسعودي الهذلي كان من علماء الكوفة باللغة العربية والفقه والحديث والشعر والأخبار حدث عن عاصم الأحول وعنه أبو نعيم مات سنة ١٧٥ أو ١٧٦ هـ. انظر بغية الوعاة ٢/٢٦٣..
٣ نقله الفراء في معانيه ٣/٣٦..
٤ ذكره صاحب التبيان ١١٤١..
٥ انظر الدر المصون ٤/٧٩٤..
٦ وانظر كل هذا في الدر المصون لفظا ٤/٧٩٤، والبحر معنى ٨/٢٣، وانظر اللغة في اللسان (سلف) ٢٠٦٨..
٧ من الطويل في رثاء من تقدم من قومه وهو لطفيل الغنوي وشاهده: أن السلف هم الآباء المتقدمون عليه، ويجمع على ما أوضح أعلى على أفعال وفعال وانظر ديوان طفيل ٤٠ والبحر المحيط ٨/٢٣ والدر المصون ٤/٧٩٤ ولسان العرب سلف (٢٠٦٩)..
٨ في ب وقرأ علي رضي الله عنه ومجاهد..
٩ ذكرها الزجاج في معانيه ٤/٣١٦ وابن خالويه في المختصر ١٣٥..
١٠ ذكره الزجاج في المرجع السابق وأبو البقاء في التبيان ١١٤١..
١١ للتخفيف انظر هذين الوجهين كليهما في المرجع السابق والدر المصون ٤/٧٩٥..
١٢ المرجعين السابقين..
١٣ قال الفراء كأن واحدته سلفة من الناس أي قطعة من الناس مثل أمة فهو قد فسر السلف بضم السين واللام انظر معاني الفراء ٣/٣٦..
١٤ فسرها بفتح اللام والسين قال: جعلناهم سلفا متقدمين ليتعظ بهم الآخرون معاني الزجاج ٤/٤١٦..
١٥ انظر في هذا الرازي ٢٧/٢٢٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية