ولما ذكر الله تعالى كيفيةَ عذابهم في الآخرة، ذكر بعده كيفية مكرهم، وفساد باطنهم في الدنيا فقال : أَمْ أبرموا أَمْراً أي أحكموا١ أمراً في المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مشركي مكة «فإنَّا مُبْرِمُونَ » محكمون أمراً في مجازاتهم أي مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله تعالى : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فالذين كَفَرُواْ هُمُ المكيدون [ الطور : ٤٢ ]. قال مقاتل : نزلت في تدبيرهم في المكر في دار الندوة وقد تقدم في قوله : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ. . . [ الأنفال : ٣٠ ] الآية٢. قوله :«أمْ أَبْرَمُوا » أم منقطعة. والإبرام الإتقان وأصله في الفتل يقال : أَبْرَمَ الحَيْلَ، أي أتْقَنَ فَتْلَهُ وهو الفَتْلُ الثاني، والأول يقال له : سَجِيلٌ٣ قال زهير :
| ٤٤١٩ لَعَمْرِي لَنِعْمَ السَّيِّدَانِ وُجِدتُّمَا | عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ سَحِيلٍ ومُبْرَمِ٤ |
٢ انظر في هذا الماضي تفسير الإمام الرازي ٢٧/٢٢٧ و٢٢٨..
٣ انظر مادتي برم وسحل من اللسان ٢٦٩ و١٩٥٧ وانظر أيضا معاني القرآن الزجاج ٤/٤٢٠..
٤ من الطويل من معلقته المشهورة وهو يمدح هرم بن سنان والحارث بن عوف والمعنى فيه على الاستعارة. والشاهد: من سحيل ومبرم فإن الشاعر يقصد معنى آخر واستعار هذين اللفظين المحسوسين وانظر السبع الطوال ٢٦٠ والهمع ٢/٤٢ والخزانة ٣/٣ و٢٠ و٩/٣٨٧ وشرح المعلقات السبع للزوزني والسراج المنير ٣/٧٥ والقرطبي ١٦/١١٨ والدر المصون ٤/٨٠٢ والديوان ١٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود