أم أبْرَموا أمراً مبتدأ، ناعٍ على المشركين ما فعلوا من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، و " أم " منقطعة، وما فيها من معنى " بل " للانتقال من توبيخ أهل النار إلى حكاية جناية هؤلاء، أي : أم أحكم مشركو مكة أمراً من كيدهم ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإِنا مُبْرِمُون كيدنا حقيقة، كما أبرموا كيدهم صورة، كقوله تعالى : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ [ فاطر : ٤٢ ] الآية. وكانوا يتناجون في أنديتهم، ويتشاورون في أمره صلى الله عليه وسلم.
قال القشيري : ولقد قال الشيوخ : إن حالَ المؤمنين في النار - من وجه - أرْوَحُ لقلوبهم من حالهم اليوم في الدنيا ؛ لأن اليوم خوف الهلاك ؛ وغداً يقين النجاة، وأنشدوا :
ثم قال في قوله تعالى : ونادوا يا مالك لو قالوا : يا مَلِك بدل من يا مالك لكان أقربَ إلى الإجابة، ولكنَّ الأجنبيةَ حالت بينهم وبين ذلك. هـ. أي : تعلقهم بالمخلوق دون الخالق. عَيبُ السلامة أَنَّ صاحبَها مُتَوَقِّعٌ لِقَوَاصِمِ الظَّهْرِ وفَضِيلَةُ البَلْوَى تَرَقُّبُ أهلِها عُقْبَى الرَّجَاءِ ودَوْرَةُ الدَّهْرِ
وقوله تعالى : أم أبرموا أمراً... الخ، هي عادته تعالى مع خواصه كيفما كانوا، يرد كيد مَن كادهم في نحره.
وقوله تعالى : أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم... الخ، قال القشيري : إنما خوَّفهم بسماع الملائكة، وكتابتهم أعمالهم عليهم، لغفلتهم عن الله، ولو كان لهم خبر عن الله لما خوّفهم بغير الله، ومَن عَلِمَ أن أعماله تُكتَبُ عليه، ويُطالَب بمقتضاها، قلَّ إلمامُه بما يخاف أن يُسأَلَ عنه. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي