ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا قال الزجاج والفراء : انتصاب أمراً ب يفرق ، أي : يفرق فرقاً، لأن أمراً بمعنى : فرقاً. والمعنى : إنا نأمر ببيان ذلك ونسخه من اللوح المحفوظ، فهو على هذا منتصب على المصدرية مثل قولك : يضرب ضرباً. قال المبرد أمراً في موضع المصدر، والتقدير : أنزلناه إنزالاً. وقال الأخفش : انتصابه على الحال، أي آمرين. وقيل : هو منصوب على الاختصاص، أي : أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا، وفيه تفخيم لشأن القرآن وتعظيم له. وقد ذكر بعض أهل العلم في انتصاب أمراً اثني عشر وجهاً أظهرها ما ذكرناه، وقرأ زيد بن علي " أمر " بالرفع، أي هو أمر إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ هذه الجملة إما بدل من قوله : إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ، أو جواب ثالث للقسم أو مستأنفة. قال الرازي : المعنى إنا فعلنا ذلك الإنذار لأجل إنا كنا مرسلين للأنبياء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس فِي لَيْلَةٍ مباركة قال : أنزل القرآن في ليلة القدر، ونزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوماً لجواب الناس. وأخرج محمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ قال : يكتب من أمّ الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق وموت، وحياة ومطر، حتى يكتب الحاج : يحج فلان، ويحج فلان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ قال : أمر السنة إلى السنة إلا الشقاء والسعادة، فإنه في كتاب الله لا يبدّل ولا يغير. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب قال : إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، ثم قرأ : إِنَّا أنزلناه في لَيْلَةٍ مباركة الآية، يعني ليلة القدر، قال : ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل من موت أو حياة، أو رزق، كل أمر الدنيا يفرق تلك الليلة إلى مثلها. وأخرج ابن زنجويه، والديلمي، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح، ويولد له، وقد خرج اسمه في الموتى» وأخرجه ابن أبي الدنيا، وابن جرير، عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس، وهذا مرسل، ولا تقوم به حجة، ولا تعارض بمثله صرائح القرآن. وما روي في هذا، فهو إما مرسل، أو غير صحيح. وقد أورد ذلك صاحب الدرّ المنثور، وأورد ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان، وذلك لا يستلزم أنها المراد بقوله : في ليلة مباركة . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن مسعود : أن قريشاً لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبطئوا عن الإسلام قال :«اللهمّ أعني عليهم بسبع كسبع يوسف»، فأصابهم قحط، وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله : فارتقب يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ الآية، فأتي النبي فقيل : يا رسول الله استسق الله لمضر، فاستسقى لهم، فسقوا، فأنزل الله : إِنَّا كَاشِفُواْ العذاب قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله : يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى إِنَّا مُنتَقِمُونَ ، فانتقم الله منهم يوم بدر، فقد مضى البطشة، والدخان واللزام. وقد روي عن ابن مسعود، نحو هذا من غير وجه، وروي نحوه عن جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن أبي مليكة قال : دخلت على ابن عباس فقال : لم أنم هذه الليلة، فقلت : لم ؟ قال : طلع الكوكب، فخشيت أن يطرق الدخان. قال ابن كثير : وهذا إسناد صحيح، وكذا صححه السيوطي، ولكن ليس فيه أنه سبب نزول الآية. وقد عرّفناك أنه لا منافاة بين كون هذه الآية نازلة في الدخان الذي كان يتراءى لقريش من الجوع، وبين كون الدّخان من آيات الساعة وعلاماتها وأشراطها، فقد وردت أحاديث صحاح وحسان وضعاف بذلك، وليس فيها أنه سبب نزول الآية، فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكرها، والواجب التمسك بما ثبت في الصحيحين وغيرهما : أن دخان قريش عند الجهد، والجوع هو سبب النزول، وبهذا تعرف اندفاع ترجيح من رجح أنه الدخان الذي هو من أشراط الساعة كابن كثير في تفسيره وغيره، وهكذا يندفع قول من قال : إنه الدخان الكائن يوم فتح مكة متمسكاً بما أخرجه ابن سعد عن أبي هريرة قال : كان يوم فتح مكة دخان، وهو قول الله فارتقب يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ فإن هذا لا يعارض ما في الصحيحين على تقدير صحة إسناده مع احتمال أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه ظنّ من وقوع ذلك الدخان يوم الفتح أنه المراد بالآية، ولهذا لم يصرّح بأنه سبب نزولها. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : قال ابن عباس : قال ابن مسعود : البطشة الكبرى : يوم بدر، وأنا أقول : هي يوم القيامة. قال ابن كثير : وهذا إسناد صحيح. وقال ابن كثير قبل هذا : فسر ذلك ابن مسعود بيوم بدر، وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدّخان بما تقدّم، وروي أيضاً عن ابن عباس من رواية العوفي عنه، وعن أبيّ بن كعب وجماعة وهو محتمل. والظاهر أن ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة كبرى أيضاً. انتهى.
قلت : بل الظاهر أنه يوم بدر، وإن كان يوم القيامة يوم بطشة أكبر من كل بطشة، فإن السياق مع قريش، فتفسيره بالبطشة الخاصة بهم أولى من تفسيره بالبطشة التي تكون يوم القيامة لكل عاص من الإنس والجنّ.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية