الامانة التي هى ضد الخيانة وهى فى الحقيقة صفة صاحب المكان لكن وصف به المكان بطريق الاستعارة التخييلية كأن المكان المخيف يحزن صاحبه وناز له بما يلقى فيه من المكاره او كناية لان الوصف إذا أثبت فى مكان الرجل فقد أثبت له لقولهم المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه كما فى بحر العلوم وفى الآية اشارة الى ان من اتقى بالله عما سواه يكون مقامه مقام الوحدة آمنا من خوف الاثنينية والى ان من كان فى الدنيا على خوف العذاب ووجل الفراق كان فى الآخرة على أمن وأمان وقال بعضهم المقام الامين مجالسة الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء يقول الفقير اما مجالستهم يوم الحشر فظاهرة لان فيها الامن من الوقوع فى العذاب إذ هم شفعاء عند الله واما مجالستهم فى الدنيا فلان فيها الامن من الشقاوة إذ لا يشقى بهم جليسهم وفى الآية اشارة اخرى لائحة للبال وهى ان المقام الامين هو مقام القلب وهى جنة الوصلة ومن دخله كان آمنا من شر الوسواس الخناس لانه لا يدخل الكعبة التي هى اشارة الى مقام الذات كما لا يقدر على الوسوسة حال السجدة التي هى اشارة الى الفناء فى الذات الاحدية قال أهل السنة كل من اتقى الشرك صدق عليه انه متق فيدخل الفساق فى هذا الوعد يقول الفقير الظاهر ان المطلق مصروف على الكامل بقرينة ان المقام مقام الامتنان والكامل هو المؤمن المطيع كما أشرنا اليه فى عنوان الآية نعم يدخل العصاة فيه انتهاء وتبعية لا ابتداء وأصالة كما يدل عليه الوعيد الوارد فى حقهم والا لاستوى المطيع والعاصي وقد قال تعالى أم نجعل المتقين كالفجار عفا الله عنا وعنكم أجمعين (قال الشيخ السعدي)
| كسى را كه با خواجه تست جنك | بدستش چرا مى دهى چوب وسنك |
| مع آخر كه باشد كه خوانش نهند | بفرماى تا استخوانش نهند |
بدل من مقام جيىء به دلالة على نزاهته واشتماله على طيبات المآكل والمشارب والمراد بالعيون الأنهار الجارية والتنكير فيهما للتعظيم يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ خبر ثان وإستبرق بقطع الهمزة وقرأ الخليل بوصلها قال فى كشف الاسرار السندس مارق من الحرير يجرى مجرى الشعار لهم وهو اللين من الدثار فى المعتاد والإستبرق ما غلظ منه وصفق نسجه يجرى مجرى الدثار وهو ارفع نوع من انواع الحرير والحرير نوعان نوع كلما كان ارق كان انفس ونوع كلما كان أرزن بكثرة الإبريسم كان أنفس يقول الفقير يحتمل عندى ان يكون السندس لباس المقربين والإستبرق لباس الأبرار يدل عليه ان شراب المقربين هو التسنيم الخالص وشراب الأبرار هو الرحيق الممزوج به وذلك ان المقربين اهل الذات والأبرار أهل الصفات فكما أن الذات ارق من الصفات فكذا لباس اهل الذات وشرابهم أرق وأصفى من لباس اهل الصفات وشرابهم ثم ان الإستبرق من كلام العجم عرب بالقاف قال فى القاموس الإستبرق الديباج الغليظ معرب استروه وتصغيره أبيرق وستبر بالتاء والطاء بمعنى الغليظ بالفارسية قال الجواليقي فى المعربات نقل الإستبرق من العجمية الى العربية فلو حقر او كسر لكان فى التحقير أبيرق وبالتكسير أباريق بحذف السين والتاء جميعا انتهى والتعريب جعل العجمي بحيث يوافق اللفظ العربي بتغييره عن منهاجه واجرائه على أوجه الاعراب وجاز وقوع اللفظ العجمي فى القرآن العربي لانه إذا عرب خرج من ان يكون عجميا إذا صفحة رقم 429
قليل من البياض فى العين من بين السواد وذلك نهاية الحسن من البين واختلف فى انهن نساء الدنيا او غيرهن فقال الحسن انهن من نساء الدنيا ينشئهن الله خلقا آخر وقال ابو هريرة رضى الله عنه انهن لسن من نساء الدنيا يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ اى يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهونه من الفواكه لا يتخصص شىء منها بمكان ولا زمان وذلك لا يجتمع فى الدنيا يعنى ان فواكه الدنيا لا توجد فى كل مكان ولها ازمنة مخصوصة لا تستقدمها ولا تستأخرها آمِنِينَ اى حال كونهم آمنين من كل ما يسوؤهم أيا كان خصوصا الزوال والانقطاع وتولد الضرر من الإكثار وحجاب القلب كما يكون فى الدنيا فيكونون فى الصورة مشغولين بالحور العين وبما يشتهون من النعيم وبالقلوب متوجهين الى الحضرة مشاهدين لها لا يَذُوقُونَ فِيهَا اى فى الجنات الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى الموت والموتة مصدر ان من فعل واحد كالنفخ والنفخة الا ان الموتة أخص من الموت لان الموتة للوحدة والموت للجنس فيكون بعضا من جنس الموت وهو فرد واحد ونفى الوحدة أبلغ من نفى الجنس فكانت أقوى وانفى فى نفى الموت عن أنفسهم كأنه قال لا يذوقون فيها شيأ من الموت يعنى اقل ما ينطلق عليه اسم الموت كما بحر العلوم والاستثناء منقطع اى لا يذوقون الموت فى الجنة لكن الموتة الاولى قد ذاقوها قبل دخول الجنة يعنى مرك أول كه در دنيا چشيدند مؤمنانرا مرك آنست ثم إذا بعثوا ودخلوا الجنة يستمرون على الحياة چون معهود نزديك مردمان آنست كه هر زندكى را مرك در پى است حق تعالى خبرا داد كه حيات بهشت را مرك نيست بلكه حيات او جاودانست فعيشتهم المرضية مقارنة للحياة الابدية بخلاف اهل النار فانه لا عيشة لهم وكذا لا يموتون فيها ولا يحيون ويقال ليس فى الجنة عشرة أشياء ليس فيها هرم ولا نوم ولا موت ولا خوف ولا ليل ولا نهار ولا ظلمة ولا حر ولا برد ولا خروج ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا على ان المراد بيان استحالة ذوق الموت فيها على الإطلاق كأنه قيل لا يذوقون فيها الموتة الا إذا أمكن ذوق الموتة الاولى فى المستقبل وذوق الماضي غير ممكن فى المستقبل لا سيما فى الجنة التي هى دار الحياة فهذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف والمقصود انهم لا يذوقون فيها الموت البتة وكذا لا ينكحون منكوحات آبائهم قطعا وقيل الا بمعنى بعد او بمعنى سوى فان قلت هذا دليل على نفى الحياة والموت فى القبر قلت أراد به جنس الموت المتعارف المعهود فيما بين الخلق فان الموت المعهود لا يعرى عن الغصص والموت بعد الاحياء فى القبر يكون أخف من الموت المعهود كما فى الاسئلة المقحمة يقول الفقير دلت الآية على ان الموت وجودى لانه تعلق به الذوق وهو الاحساس به احساس الذائق المطعوم والأكثرون على انه عدمى اى معدوم فى الخارج غير قائم بالميت لان المعدوم لا يحتاج الى المحل وسيجيئ تحقيقه فى محله ان شاء الله تعالى وفى الآية اشارة الى انهم لا يذوقون فيها موت النفس بسيف المجاهدة وقمع الهوى وترك الشهوات الا الموتة الاولى فى الدنيا بقتل النفس بسيف الصدق فى الجهاد الأكبر وكما ان السيف لا يجرى على المعدوم فكذا على النفس الفانية إذ لا يموت الإنسان مرتين وايضا ان الموتة الاولى هى العدم قبل الوجود فبعد الوجود لا بذوق أحد الموت والعدم المحض
صفحة رقم 431روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء