ﯦﯧﯨﯩﯪ ﯬﯭﯮ

وغرورك. فهذا تحقيق ما كنت تشك وتماري فيه.
٣- وسيكون المتقون في مقام الآمن فيحلون في الجنات والعيون ويلبسون ثياب الحرير ويتكئون على السرر متقابلين ويتمتعون بكل فاكهة ويتزوجون بالحور العين وقد وقاهم الله الموت مرة ثانية وكتب لهم الخلود في هذا النعيم وحماهم من عذاب النار وكل ذلك بفضل الله ورحمته، وهذا هو الفوز العظيم.
ووصف مصير الفريقين قوي رائع من شأنه إثارة الخوف في الكفار وبعث الطمأنينة والغبطة في المؤمنين. وهو مما استهدفته الآيات على ما هو المتبادر بالإضافة إلى الحقيقة الإيمانية المنطوية فيها عن المشهد الأخروي.
[سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥٨ الى ٥٩]
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
. (١) ارتقب: بمعنى اصبر أو انتظر.
جاءت الآيتان معقبتين على وصف مصيري الكفار والمؤمنين. وخاتمتين للسورة والموقف الجدلي الحجاجي معا، وقد وجه الخطاب فيهما للنبي ﷺ فالله سبحانه إنما جعل القرآن بلسان النبي ﷺ لعلّ السامعين يتعظون به لأنه بلغتهم، وإذا لم يتعظوا فلينتظر النبي ﷺ ولينتظر الكفار معا أمر الله وقضاءه فهو واقع لا ريب فيه.
وفي هذا إنذار للكفار وتطمين للنبي ﷺ استهدف به بثّ الثقة والقوة والأمل في نفسه كما هو المتبادر.
ولقد روى الطبري عن قتادة أن الآيات [٤٨- ٥٠] نزلت في أبي جهل الذي قال في مجال الافتخار حينما أنذره النبي ﷺ بآيات سورة العلق [١٥- ١٦] :
أيوعدني محمد والله لأنا أعزّ من مشى بين جبليها. وقد روى ابن كثير عن عكرمة صيغة أخرى من هذه الرواية حين قال النبي ﷺ له: إنّ الله تعالى أمرني أن أقول لك أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع أنت ولا

صفحة رقم 555

صاحبك من شيء، ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم. ومع احتمال أن يكون مثل هذه المحاورة جرت بين النبي ﷺ وأبي جهل وصدر عن أبي جهل هذا القول فإنّ الآيات كما يبدو وحدة متماسكة متصلة بما قبلها وما بعدها وعلى سبيل الإنذار والتبشير بمصيري الكفار والمؤمنين بحيث يصح القول إنها لم تنزل في هذه المناسبة، وكل ما يمكن أن يكون أنها احتوت ردّا لاذعا شامتا على اعتداد أبي جهل وأمثاله بأنفسهم وعزتهم.
ولقد روى البغوي بطرقه في سياق ذكر شجرة الزقوم ووصفها حديثا عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيّها الناس اتقوا الله حقّ تقاته، فلو أن قطرة من الزّقوم قطرت على الأرض لأمرّت على أهل الدنيا معيشتهم فكيف بمن تكون طعامه وليس لهم طعام غيره». حيث ينطوي في الحديث توضيح ترهيبي إنذاري نبوي متسق مع الترهيب الإنذاري الذي احتوته الآيات.
وفي الآية الأولى دليل جديد يضاف إلى الأدلة الكثيرة التي نبهنا عليها على أن لغة القرآن كانت مفهومة عند أهل بيئة النبي ﷺ وعصره من العرب بل كانت لغتهم التي هي لغة النبي صلى الله عليه وسلم.
تعليق على السندس والإستبرق
وما قلناه في صدد وسائل النعيم الأخروية في سياق سورة الزخرف وغيرها ينحسب على الوصف الوارد في هذه الآيات. وإن كان من شيء يصحّ أن يزاد فهو أنه لما كان الإستبرق والسندس كلمتين معرّبتين عن الفارسية أو الرومية على اختلاف الأقوال، ولما كانت روح الآيات تلهم أن ما يرمزان إليه من نوع النسيج الحريري كان معروفا وممارسا في بيئة النبي ﷺ وعصره فإنه يسوغ القول إن في ذلك دلالة على ما كان من صلات تجارية وغير تجارية بين أهل بيئة النبي ﷺ وعصره وفي الأقطار المجاورة لجزيرة العرب، وعلى اقتباس العرب لكثير من وسائل الحياة التي كان يتمتع بها أهل تلك الأقطار، وهو ما قامت عليه الأدلة الكثيرة القرآنية وغير القرآنية.

صفحة رقم 556

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية