قوله تعالى : وخلق الله السموات والأرض بالحق لما بين أن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السَّعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة هذه الفتوى فقال : وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق أي لو لم يوجد البعث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل ؛ لأنه تعالى لو خلق الظالم وسلطه على المظلوم الضعيف ولا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً، ولو كان ظالماً لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق١. وتقدم تقريره في سورة يُونُس.
قوله :«بِالْحَقِّ » فيه ثلاثة أوجه إما حال من الفاعل، أو من المفعول أو الباء للسببية٢.
قوله :«وَلتُجْزَى » فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون عطفاً على «بالحق » في المعنى، لأن كلاًّ منهما سبب فعطف الصلة على مثلها.
الثاني : أنها معطوفة على معلل محذوف، والتقدير : خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرْضَ ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لا يتم إلاَّ إذا حصل البعث والقيامة، وحصل التفاوت بين الدَّركات والدرجات بين المحقين والمبطلين٣.
الثالث : أن تكون لام الصيرورة، أي وصار الأمر منها من اهتدى بها قوم وظلَّ عنها آخرون٤.
٢ بيان ابن الأنباري ٢/٣٦٥ والدر المصون ٤/٨٣٨..
٣ ذكر هذين الوجهين الرازي في تفسيره لفظا ٢٧/٢٦٨ نقلا عن الكشاف معنى ٣/٥١٢ وانظر الدر المصون ٤/٨٣٩ و٨٣٨..
٤ نقل هذا الوجه أبو حيان في بحره ٨/٤٨ عن ابن عطية..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود