قوله تعالى : قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة .
فإن قيل : هذا الكلام مذكور لأجل جواب من يقول : ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدَّهر وهذا القائل ينكر وجود الإله ووجود القيامة فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله : الله يُحْيِيكُمْ ؟ وهل هذا إلا إثْبَات الشيء بنفسه، وهو باطل ؟ !
فالجواب : أنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الإله القادر الفاعل الحكيم مراراً، فقوله ههنا : قل الله يُحْيِيكُمْ إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر.
ولما ثبت أنّ الإحياء من الله، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء الأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله، ثبت أن الله تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها، وثبت أن القادر الحكيم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقاً. وقوله تعالى : ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ إشارة إلى ما تقدم في الآية المتقدمة، وهو أن كونه تعالى عادلاً خالقاً منزهاً عن الجَوْر والظلم يقتضي صحة البعث والقيامة، ثم قال : ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ دلالة على حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداء، وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود