المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أن المشركين قد اتخذوا إلههم هواهم، وأن الله قد أضلهم على علم بحالهم، وأنه ختم على سمعهم وقلبهم وجعل على بصرهم غشاوة، ذكر هنا جناية أخرى من جناياتهم، وحماقة من حماقاتهم، تلك أنهم أنكروا البعث وقالوا : ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وما ذلك منهم إلا ظنون وأوهام لا مستند لها من نقل ولا عقل، ولم يجدوا حجة يقولونها إلا أن قالوا : إن كان ما تقوله حقا فأرجعوا آباءنا الموتى إلى الحياة، فأمر الله رسوله أن يجيبهم بأنه هو الذي يحييهم ثم يميتهم، ثم يجمعهم في يوم لا شك فيه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون حقيقة ذلك.
الإيضاح : ثم أمر سبحانه رسوله أن يرد عليهم فقال :
قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة أي قل لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث : الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا، ثم يميتكم فيها متى شاء، ثم يجمعكم جميعا أولكم وآخركم صغيركم وكبيركم يوم القيامة.
ثم أكد ذلك بقوله :
لا ريب فيه أي لا ريب في هذا الجمع والبعث، فإن من قدر على البدء قدر على الإعادة، والحكمة قاضية بذلك، لتجزى كل نفس بما كسبت، والأديان جميعا متضافرة على تحققه وحصوله يوم القيامة.
وقصارى ما سلف : إن البعث أمر ممكن أخبر به الأنبياء الصادقون، والحكمة تقتضي حصوله والعقل يؤيده، فهو واقع لا محالة.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي ولكن أكثر الناس ينكرون البعث ويستبعدون عودة الأجسام بعد موتها وحين تكون عظاما نخرة كما قال : إنهم يرونه بعيدا( ٦ )ونراه قريبا ( المعرج : ٦-٧ ) أي يرون وقوعه بعيدا والمؤمنون يرونه قريبا، وما دعاهم إلى ذلك إلا جهلهم وقصر نظرهم، لا لأن فيه شائبة ريب.
تفسير المراغي
المراغي