ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يردّ عليهم، فقال : قُلِ الله يُحْيِيكُمْ أي في الدنيا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة بالبعث والنشور لاَ رَيْبَ فِيهِ أي في جمعكم ؛ لأن من قدر على ابتداء الخلق قدر على إعادته ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ بذلك، فلهذا حصل معهم الشكّ في البعث، وجاءوا في دفعه بما هو أوهن من بيت العنكبوت، ولو نظروا حقّ النظر لحصلوا على العلم اليقين، واندفع عنهم الرّيب وأراحوا أنفسهم من ورطة الشكّ والحيرة.
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ مّنَ الأمر يقول : على هدًى من أمر دينه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله : سَوَاء محياهم ومماتهم قال : المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ قال : ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدًى من الله، ولا برهان وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ يقول : أضله في سابق علمه. وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه قال : كان الرّجل من العرب يعبد الحجر، فإذا وجد أحسن منه أخذه وألقى الآخر، فأنزل الله : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : كان أهل الجاهلية يقولون : إنما يهلكنا الليل والنهار، فقال الله في كتابه : وَقَالُواْ مَا هِي إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر قال الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة سمعت رسول الله يقول :«قال الله عزّ وجلّ : يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني