يسمع آيات الله التنزيلية تُتلى عليه وجملة " يسمع " صفة أخرى لأفَاك، أو استئناف، أو حال من ضمير " أثيم "، " تتلى " : حال من " آيات الله "، ثم يُصِرُّ أي : يُقيم على كفره، حال كونه مستكبراً عن الإيمان بالآيات، والإذعان لما تنطق به من الحق، مُزْدرياً بها، مُعجَباً بما عنده من الأباطيل. قيل : نزلت في النضر بن الحارث، وكان يشتري من أحاديث الأعاجم، ويشغل بها الناس عن سماع القرآن، والآية عامة في كل مَن كان مضاراً لدين الله. وجيء بثمّ ؛ لأن الإصرارَ على الضلالة، والاستكبار عن الإيمان عند سماع آيات القرآن، مستبعدٌ في العقول. ثم قال : كأن لم يسمعها أي : كأنه لم يسمعها، فأن مخففة، ومحل الجملة النصب على الحال، أي : يُصر شبيهاً بغير السامع، فبشِّره على إصراره واستكباره بعذابٍ أليم أي : أخبره خبرا يظهر أثره على البشرة، تهكُّماً به.
قوله تعالى : إذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً قال القشيري : وقد يُكاشَفُ العبدُ من مواطن القلب بتعريفاتٍ لا يداخله فيها ريبٌ، ولا يتخلله فيها شكٌّ فيما هو فيه من حاله، فإذا استهان بها وقع في ذُلِّ الحجْبة، وحجاب الفرقة وهوانها. هـ. فإذا صفا القلب صار مرسى لتجلي الواردات الإلهية، وهي آية من آياته، فإذا تجلّى فيه شيء بأمر أو نهي فاستهان به وخالفه أدّبه الحق على ذلك، إما في ظاهره، وهو أخف، أو في باطنه بالحجبة أو الفرقة، ولقد سمعت شيخ شيخنا، مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه يقول : لي ثلاثون سنة ما خالفت قلبي في شيء إلا أدّبني الحق تعالى عليه. هـ. أي : في ظاهره، وذلك لغاية صفائه.
قوله تعالى : من ورائهم جهنم.. الآية، لا عذاب أشد من الحجب بعد الإظهار، والفرقة بعد الوصال، وأنشدوا :
انظر القشيري. فَخَلِّ سَبِيلَ الْعَيْنِ بَعْدَكَ لِلبُكَا فَلَيسَ لأيَّام الصَّفاء رجوعُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي