تفسير المفردات : تدمر : أي تهلك.
المعنى الجملي : بعد أن أورد سبحانه الدلائل على إثبات التوحيد والنبوة التي أعرض عنها أهل مكة ولم يلتفتوا إليها ولم تجدهم فتيلا ولا قطميرا، لاستغراقهم في الدنيا واشتغالهم بطلبها – أردف هذا ذكر قصص عاد وما حدث منهم مع نبيهم هود عليه السلام وضرب لهم به المثل ليعتبروا فيتركوا الاغترار بما وجدوه من الدنيا، ويقبلوا على طاعة الله، فقد كانوا أكثر منهم أموالا وأقوى منهم جندا، فسلط الله عليهم العذاب بسبب كفرهم، ولم يغن عنهم مالهم من الله شيئا.
الإيضاح : ثم وصف هذه الريح فقال :
تدمر كل شيء بأمر ربها أي تهلك كل شيء مرت به من نفوس عاد وأموالها بإذن ربها.
ونحو الآية قوله تعالى : ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ( الذاريات : ٤٢ )أي كالشيء البالي الخلق.
ثم ذكر مآل أمرهم بعدها فقال :
فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم أي فجاءتهم الريح فدمرتهم، فصاروا بعد الهلاك لا يرى إلا آثار مساكنهم، إذ قد اجتاحت الأموال، وأذهبت الأنفس، وجعلتها أثرا بعد عين.
روي عن ابن عباس : أن أول ما عرفوا أنه عذاب أليم أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم، فقلعتها الريح وصرعتهم : وأحال الله عليهم الرمال فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، ثم كشفت الريح عنهم الرمال فاحتملتهم فطرحتهم في البحر.
أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال :( اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به )، فإذا أخيلت السماء تغير لونه صلى الله عليه وسلم وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سرى عنه، فسألته ؛ فقال عليه السلام :( لا أدري لعله كما قال قوم عاد هذا عارض ممطرنا ).
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت :( ما رأيت رسول الله مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته١وإنما كان يبتسم، وكان إذا رأى غيما وريحا عرف ذلك في وجهه، قلت : يا رسول الله : الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية، قال : يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا : هذا عارض ممطرنا ).
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور )١.
قال شاعرهم يحكي هذا القصص فيما رواه ابن الكلبي :
فدعا هود عليهم دعوة أضحوا همودا
عصفت ريح عليهم تركت عادا خمودا
سخرت سبع ليال لم تدع في الأرض عودا
كذلك نجزي القوم المجرمين أي كما جازينا عادا بكفرهم بالله ذلك العقاب في الدنيا، فأهلكناهم بعذابنا، كذلك نجزي كل مجرم كافر بالله متماد في غيه.
ولا يخفى ما في هذا من التهديد والوعيد الشديد.
تفسير المراغي
المراغي