تُدَمّرُ كُلَّ شَيْء بِأَمْرِ رَبّهَا هذه الجملة صفة ثانية لريح، أي تهلك كل شيء مرّت به من نفوس عاد وأموالها، والتدمير : الإهلاك، وكذا الدمار، وقرئ ( يدمر ) بالتحتية مفتوحة وسكون الدال وضم الميم، ورفع ( كلّ ) على الفاعلية من دمر دماراً، ومعنى بِأَمْرِ رَبّهَا أن ذلك بقضائه وقدره فَأْصْبَحُواْ لاَ تَرَى إلا مساكنهم أي لا ترى أنت يا محمد، أو كل من يصلح للرؤية إلاّ مساكنهم بعد ذهاب أنفسهم وأموالهم. قرأ الجمهور لاَ تَرَى بالفوقية على الخطاب، ونصب مساكنهم. وقرأ حمزة، وعاصم بالتحتية مضمومة مبنياً للمفعول، ورفع مساكنهم. قال سيبويه : معناه لا يرى أشخاصهم إلاّ مساكنهم، واختار أبو عبيد وأبو حاتم القراءة الثانية. قال الكسائي، والزجاج : معناها لا يرى شيء إلاّ مساكنهم، فهي محمولة على المعنى كما تقول : ما قام إلاّ هند، والمعنى : ما قام أحد إلاّ هند، وفي الكلام حذف، والتقدير : فجاءتهم الريح فدمرتهم، فأصبحوا لا يرى إلاّ مساكنهم كذلك نَجْزِي القوم المجرمين أي مثل ذلك الجزاء نجزي هؤلاء، وقد مرّ بيان هذه القصة في سورة الأعراف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الأحقاف : جبل بالشام. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه في قوله : هذا عارض ممطرنا قال : هو السحاب. وأخرج البخاريّ ومسلم، وغيرهما عن عائشة قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه، قلت : يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر. وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، قال :«يا عائشة : وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا : هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا » وأخرج مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عنها قالت :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال :«اللَّهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها وشرّ ما أرسلت به»، فإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سرّي عنه، فسألته فقال :«لا أدري، لعله كما قال قوم عاد : هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ». وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالوا : غيم فيه مطر، فأوّل ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجاً من رجالهم، ومواشيهم تطير بين السماء والأرض مثل الريش دخلوا بيوتهم، وغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح ففتحت أبوابهم، ومالت عليهم بالرمل، فكانوا تحت الرمل سبع ليال، وثمانية أيام حسوماً لهم أنين، ثم أمر الله الريح، فكشفت عنهم الرمل وطرحتهم في البحر، فهو قوله : فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : ما أرسل الله على عاد من الريح إلاّ قدر خاتمي هذا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله : وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ يقول : لم نمكنكم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال : عاد مكنوا في الأرض أفضل مما مكنت فيه هذه الأمة، وكانوا أشدّ قوة وأكثر أموالاً وأطول أعماراً.