قصة هود عليه السلام مع قومه عاد
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( ٢١ ) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( ٢٢ ) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ( ٢٣ ) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ٢٤ ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( ٢٥ ) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( ٢٦ ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( ٢٧ ) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( ٢٨ )
تمهيد :
ساق القرآن القصص للعظة والاعتبار، وتكرر ذكر قصص عاد مع نبيهم هود، وغيرهم من الأمم التي كذبت رسلها فاستحقت العذاب، وبهذا سجل القرآن الكريم تاريخ الأنبياء والمرسلين وأحيا ذكراهم، وسجل كفاحهم، كما سجل تكذيب الأمم المكذبة لرسلها، وعقاب السماء لها، فقد أغرق الطوفان قوم نوح، وأهلكت الريح العاصفة قوم هود، حيث قال تعالى : واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف...
وقال فيما سبق : ألا بعدا لعاد قوم هود . ( هود : ٦٠ ).
وأطبق الهلاك على كثير من المكذبين، مثل ثمود قوم صالح، ومثل فرعون وقومه، ومدين قوم شعيب، وقوم لوط وغيرهم.
وقد تكرر التنبيه بما أصاب المكذبين لتحذير أهل مكة، ولتحذير كل مكذب بآيات الله ورسله.
قال تعالى : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . ( العنكبوت : ٤٠ ).
المفردات :
تدمر : تهلك.
فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم : فاجأتهم الريح فدمرتهم، ولم يبق شيء يرى إلا مساكنهم.
كذلك نجزي القوم المجرمين : بمثل تلك العقوبة يجزي الله كل من كذب رسله.
التفسير :
٢٥- تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين .
إنها جزء من هذا الكون الخاضع لأمر الله، المسبح بحمده، فهذه الريح تحولت إلى عذاب أليم، وإلى ريح صرصر عاتية، تأخذ بأنفاس المكذبين وتقطع رقابهم.
وقد ورد أنهم حفروا لأنفسهم حفرا، وربطوا أنفسهم بالسلاسل، وتركوا رقابهم فوق الأرض، فكانت الريح تقطع أعناقهم، وتترك أجسامهم، كالنخلة الهالكة التي قطع أعلاها المثمر المفيد وترك أسفلها قليل الفائدة.
وفي سورة الحاقة يقول الله تعالى : وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ( ٦ ) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ( ٧ ) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ( ٨ ) . ( الحاقة : ٦-٨ ).
لقد أهلكهم الله هلاكا مدمرا، جزاء عتوهم وكفرهم وعنادهم، وجعل مثل هذا الهلاك لكل من أجرم وكفر.
كذلك نجزي القوم المجرمين .
أي : مثل تلك العقوبة التي نزلت بعاد قوم هود، يعاقب الله بها كل من أجرم وكذب وعتا وتكبر، وكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
قال الإمام فخر الدين الرازي : والمقصود منه تخويف أهل مكة.
وفي السنة الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عصفت الريح يقول :( اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به ). فإذا تخيلت السماء تغير لون الرسول صلى الله عليه وسلم، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سُرِّى عنه، فسألته أم المؤمنين عائشة فقال :( لعله يا عائشة كما قال قوم هود : فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا... ٢٥ ( الأحقاف : ٢٤ ) ).
أخرج الحديث مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، عن عائشة، وأورده ابن كثير في تفسير الآية مع غيره من الأحاديث النبوية.
تفسير القرآن الكريم
شحاته