قلت : فيما موصولة، أو موصوفة، ومفعول اتخذوا الأول : محذوف، و آلهة مفعول ثان، أي : اتخذوهم آلهة، و قرباناً حال، ولا يصح أن يكون مفعولاً ثانياً لـ " اتخذوا "، و " آلهة " : بدل، لفساد المعنى، وأجازه ابن عطية، ووجه فساده : أن اتخاذهم آلهة منافٍ لاتخاذهم قرباناً ؛ لأن القربان مقصود لغيره، والآلهة مقصود بنفسها، فتأمله، و " إن " نافية، والأصل : فيما ما مكنكم فيه، ولمّا كان التكرار مستثقلاً جيء بأن، كما قالوا في مهما، والأصل : مَا مَا، فلبشاعة التكرار قلبوا الألف هاء، وقيل :" إن " صلة، أي : في مثل ما مكنكم فيه، والأول أحسن.
فلولا نَصَرَهم الذين اتخذوا من دون الله قُرباناً آلهةً أي : فهلاّ منعهم وخلصهم من العذاب الأصنام الذين اتخذوهم آلهة من دون الله، حال كونها متقرباً بها إلى الله، حيث كانوا يقولون : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [ الزمر : ٣ ] و هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ [ يونس : ١٨ ] بل ضلوا عنهم أي : غابوا عن نصرتهم، وذلك إِفكهم وما كانوا يفترون الإشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم وضلالهم، أي : وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذها آلهة، وثمرة شركهم، وافترائهم على الله الكذب.
وقرأ ابن عباس وابن الزبير : أَفَكَهم أي : صرفهم عن التوحيد. وقُرئ : بتشديد الفاء، للتكثير.
الإشارة : التمكُّن من كثرة الحس لا يزيد إلا ضعفاً في المعنى، وبُعداً من الحق، ولذلك يقول الصوفية : كل من زاد في الحس نقص في المعنى، وكل ما نقص في الحس زاد في المعنى، والمراد بالمعنى : كشف أسرار الذات وأنوار الصفات، وما مكّن اللّهُ تعالى عبدَه من الحواس الخمس إلا ليستعملها فيما يقربه إليه، ويوصله إلى معرفته، فإذا صرفها في غير ذلك، عُوقب عليها. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي