ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

وهذا الشوط جولة في مجال آخر، تخدم القضية التي تعالجها السورة، وتأخذ القلب البشري من جانب غير الجوانب التي عالجها الشوطان الأولان.. جولة في مصرع عاد ومصارع القرى غيرها حول مكة. وقد وقفوا من رسولهم وأخيهم هود - عليه السلام - موقف المشركين من رسولهم وأخيهم محمد [ صلى الله عليه وسلم ] واعترضوا اعتراضاتهم، وأجابهم نبيهم بما يليق به من أدب النبوة في حدود بشريته وحدود وظيفته. ثم أخذهم ما أخذهم من العذاب المدمر، حين لم يسمعوا النذير. فلم تغن عنهم قوتهم - وكانوا أقوى - ولم يغن عنهم ثراؤهم - وكانوا أغنى - ولم ينتفعوا بسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم - وكانوا أذكياء - ولم تغن عنهم آلهتهم التي اتخذوها تقربا - بزعمهم - إلى الله.
وكذلك يقف المشركين في مكة أمام مصارع أسلافهم من أمثالهم ؛ فيقفهم أمام مصيرهم هم أنفسهم. ثم أمام الخط الثابت المطرد المتصل. خط الرسالة القائمة على أصلها الواحد الذي لا يتغير وخط السنة الإلهية التي لا تتحول ولا تتبدل. وتبدوا شجرة العقيدة عميقة الجذور، ممتدة الفروع ضاربة في أعماق الزمان ؛ واحدة على اختلاف القرون واختلاف المكان.
( أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى ؟ بلى. إنه على كل شيء قدير )..
وهي لفتة إلى كتاب الكون المنظور، الذي ورد ذكره في أول السورة. وكثيرا ما يتضمن السياق القرآني مثل هذا التناسق بين قول مباشر في السورة، وقول مثله يجيء في قصة، فيتم التطابق بين مصدرين على الحقيقة الواحدة.
وكتاب الكون يشهد بالقدرة المبدعة ابتداء لهذا الخلق الهائل : السماوات والأرض. ويوحي للحس البشري بيسر الإحياء بعد الموت. وهذا الإحياء هو المقصود. وصياغة القضية في أسلوب الاستفهام والجواب أقوى
وآكد في تقرير هذه الحقيقة. ثم يجيء التعقيب الشامل :( إنه على كل شيء قدير ).. فتضم الإحياء وغيره في نطاق هذه القدرة الشاملة لكل شيء كان أو يكون.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير