ثم ذكر سبحانه دليلاً على البعث، فقال : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض الرؤية هنا هي القلبية التي بمعنى العلم، والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدّر : أي ألم يتفكروا، ولم يعلموا أن الذي خلق هذه الأجرام العظام من السموات والأرض ابتداءً وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ أي لم يعجز عن ذلك ولا ضعف عنه، يقال عيّ بالأمر وعيي : إذا لم يهتد لوجهه، ومنه قول الشاعر :
عيوا بأمرهم كما *** عيت ببيضها الحمامه
قرأ الجمهور ولم يعي بسكون العين، وفتح الياء مضارع عيي. وقرأ الحسن بكسر العين وسكون الياء. بِقَادِرٍ على أَن يُحْيي الموتى . قال أبو عبيدة، والأخفش : الباء زائدة للتوكيد، كما في قوله : وكفى بالله شَهِيداً [ النساء : ١٦٦ ]. قال الكسائي والفراء والزجاج : العرب تدخل الباء مع الجحد والاستفهام، فتقول : ما أظنك بقائم، والجار والمجرور في محل رفع على أنهما خبر لأن، وقرأ ابن مسعود، وعيسى بن عمر، والأعرج، والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب وزيد بن عليّ :( يَقْدِرُ ) على صيغة المضارع، واختار أبو عبيد القراءة الأولى، واختار أبو حاتم القراءة الثانية قال : لأن دخول الباء في خبر أنّ قبيح بلى إِنَّهُ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ لا يعجزه شيء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن منيع، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن مسعود قال : هبطوا، يعني : الجن على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا : أنصتوا، قالوا : صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن إلى قوله : ضلال مُّبِينٍ . وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن مردويه عن الزبير وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرءان قال : بنخلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [ الجن : ١٧ ]. وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن الآية، قال : كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم عنه نحوه وقال : أتوه ببطن نخلة. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عنه أيضاً قال : صرفت الجنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّتين، وكانوا أشراف الجنّ بنصيبين. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال : سألت ابن مسعود من آذن النبيّ صلى الله عليه وسلم بالجنّ ليلة استمعوا القرآن ؟ قال : آذنته بهم شجرة. وأخرج عبد بن حميد وأحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال : قلت لابن مسعود : هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم منكم أحداً ليلة الجنّ ؟ قال : ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة، فقلنا : اغتيل، استطير، ما فعل ؟ قال : فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فأخبرناه فقال :«إنه أتاني داعي الجنّ فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن، فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم». وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ. وقد روي نحو هذا من طرق. والجمع بين الروايات بالحمل على قصتين وقعت منه صلى الله عليه وسلم مع الجنّ حضر إحداهما ابن مسعود ولم يحضر في الأخرى. وقد وردت أحاديث كثيرة أن الجنّ بعد هذا وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّة بعد مرّة، وأخذوا عنه الشرائع. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال : أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم، ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى. وأخرج ابن مردويه عنه قال : هم الذين أمروا بالقتال حتى مضوا على ذلك نوح وهود وصالح وموسى وداود وسليمان. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : بلغني أن أولي العزم من الرسل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر. وأخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن عائشة قالت : ظلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً ثم طوى، ثم ظلّ صائماً ثم طوى، ثم ظلّ صائماً، قال :«يا عائشة إن الدين لا ينبغي لمحمد، ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلاّ بالصبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلاّ أن يكلفني ما كلفهم، فقال : اصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل وإني والله لأصبرنّ كما صبروا جهدي، ولا قوّة إلاّ بالله».