ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

أَمْ يَقُولُونَ افتراه أم هي المنقطعة : أي بل أيقولون افتراه ؟ والاستفهام للإنكار والتعجب من صنيعهم، وبل للانتقال عن تسميتهم الآيات سحراً إلى قولهم : إن رسول الله افترى ما جاء به، وفي ذلك من التوبيخ والتقريع ما لا يخفى. ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال : قُلْ إِنِ افتريته فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ الله شَيْئاً أي قل إن افتريته على سبيل الفرض والتقدير، كما تدّعون، فلا تقدرون على أن تردّوا عني عقاب الله، فكيف أفتري عل الله لأجلكم، وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عني ؟ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ أي تخوضون فيه من التكذيب، والإفاضة في الشيء : الخوض فيه، والاندفاع فيه، يقال : أفاضوا في الحديث، أي اندفعوا فيه، وأفاض البعير : إذا دفع جرّته من كرشه، والمعنى : الله أعلم بما تقولون في القرآن، وتخوضون فيه من التكذيب له، والقول بأنه سحر وكهانة : كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فإنه يشهد لي بأن القرآن من عنده، وأني قد بلغتكم، ويشهد عليكم بالتكذيب والجحود، وفي هذا وعيد شديد وَهُوَ الغفور الرحيم لمن تاب وآمن، وصدّق بالقرآن وعمل بما فيه : أي كثير المغفرة والرحمة بليغهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عباس أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ قال : الخط. قال سفيان : لا أعلم إلاّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني : أن الحديث مرفوع لا موقوف على ابن عباس. وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«كان نبيّ من الأنبياء يخط، فمن صادف مثل خطه علم» ومعنى هذا ثابت في الصحيح، ولأهل العلم فيه تفاسير مختلفة. ومن أين لنا أن هذه الخطوط الرملية موافقة لذلك الخط ؟ وأين السند الصحيح إلى ذلك النبيّ ؟ أو إلى نبينا صلى الله عليه وسلم أن هذا الخط هو على صورة كذا، فليس ما يفعله أهل الرمل إلاّ جهالات وضلالات. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم :« أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ قال : حسن الخط». وأخرج الطبراني في الأوسط، والحاكم من طريق الشعبي، عن ابن عباس :« أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ قال : خط كان يخطه العرب في الأرض». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ يقول : بينة من الأمر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله : قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرسل يقول : لست بأوّل الرسل وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ فأنزل الله بعد هذا لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [ الفتح : ٢ ] وقوله : لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات الآية [ الفتح : ٥ ]، فأعلم سبحانه نبيه ما يفعل به، وبالمؤمنين جميعاً. وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضاً أن هذه الآية منسوخة بقوله : لّيَغْفِرَ لَكَ الله وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أمّ العلاء قالت :«لما مات عثمان بن مظعون قلت : رحمك الله أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«وما يدريك أن الله أكرمه ؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم، قالت أمّ العلاء : فوالله لا أزكي بعده أحداً».


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية