المعنى الجملي : بعد أن نعى سبحانه على الكافرين مغبة أعمالهم، وأن النار مثوى لهم – أردف هذا أمرهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة ورؤية آثارهم، لما للمشاهدات الحسية من آثار في النفوس، ونتائج لدى ذوي العقول، إذا تدبروها واعتبروا بها.
الإيضاح : وبعد أن بين حالي المؤمنين والكافرين في الدنيا، بين حاليهم في الآخرة فقال :
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار أي إن الله ذا الجلال والكمال يدخل يوم القيامة من آمنوا به وصدقوا رسوله وعملوا صالح الأعمال – بساتين تجري من تحت قصورها الأنهار كرامة لهم على إيمانهم بالله ورسوله واليوم الآخر.
والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام أي والذين جحدوا توحيد الله وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم يتمتعون في هذه الدنيا بحطامها ورياشها وزينتها الفانية، ويأكلون فيها غير مفكرين في عواقبهم ومنتهى أمورهم، ولا معتبرين بما نصب الله لخلقه في الآفاق والأنفس من الحجج المؤدية إلى معرفة توحيده وصدق رسوله، فمثلهم مثل البهائم تأكل في معالفها ومسارحها، وهي غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، فكذلك هؤلاء يأكلون ويتلذذون وهم ساهون لاهون عن عذاب السعير.
والنار مثوى لهم أي ونار جهنم مسكن ومأوى لهم يصيرون إليها بعد مماتهم.
والخلاصة : إن المؤمنين عرفوا أن نعيم الدنيا ظل زائل فتركوا الشهوات، وتفرغوا للصالحات، فكانت عاقبتهم النعيم المقيم في مقام كريم، وإن الكافرين غفلوا عن ذلك فرتعوا في الدمن كالبهائم حتى ساقهم الخذلان، إلى مقرهم من درك النيران، أعاذنا الله منها.
وبعد أن ضرب لهم المثل بقوله : أفلم يسيروا في الأرض ( الحج : ٤٦ ) ولم يعتبروا به وذكر لهم ما تقدم من الأدلة على وحدانيته – ضرب المثل لنبيه تسلية له على ما يلاقي من عنت قومه وجحودهم فقال :
تفسير المراغي
المراغي