[سورة محمد (٤٧) : آية ١٢]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢)يَتَمَتَّعُونَ ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياما قلائل وَيَأْكُلُونَ غافلين غير مفكرين في العاقبة كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ في مسارحها ومعالفها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح مَثْوىً لَهُمْ منزل ومقام.
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٣]
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣)
وقرئ: وكائن، بوزن كاعن «١». وأراد بالقرية أهلها، ولذلك قال أَهْلَكْناهُمْ كأنه قال: وكم من قوم هم أشد قوّة من قومك الذين أخرجوك أهلكناهم. ومعنى أخرجوك: كانوا سبب خروجك. فإن قلت: كيف قال فَلا ناصِرَ لَهُمْ؟ وإنما هو أمر قد مضى. قلت:
مجراه مجرى الحال المحكية، كأنه قال أهلكناهم فهم لا ينصرون.
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٤]
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)
من زين له: هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله، ومن كان على بينة من ربه أى على حجة من عنده وبرهان: وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرئ: أمن كان على بينة من ربه. وقال تعالى سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا للحمل على لفظ مِنْ ومعناه.
[سورة محمد (٤٧) : آية ١٥]
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)
كأين. مثال كعين وكائن: مثال كاعن اه. (ع)
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ كمن هو خالد في النار؟
قلت: هو كلام في صورة الإثبات ومعنى النفي والإنكار «١»، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار، ودخوله في حيزه، وانخراطه في سلكه، وهو قوله تعالى أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فكأنه قيل: أمثل الجنة كمن هو خالد في النار، أى كمثل جزاء من هو خالد في النار. فإن قلت: فلم عرّى في حرف الإنكار؟ وما فائدة التعرية؟ قلت:
تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوّى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجرى فيها تلك الأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الحميم. ونظيره قول القائل:
| أفرح أن أرزأ الكرام وأن | أورث ذودا شصائصا نبلا «٢» |
(٢). تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة ٢٦٤ فراجعه إن شئت اه مصححه.
(٣). قوله «ما أزن» أى اتهم. أفاده الصحاح. (ع) [.....]
(٤). قوله «يقل طائله» لأن الشصائص قليلات اللبن. والنبل: الكبار من الإبل، والصغار منها أيضا، فهو من الأضداد. أفاده الصحاح. (ع)
(٥). قوله «هي فيها» لعله: أى هي فيها. (ع)
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم