ثم ذكر سبحانه الفرق بين حال المؤمن، وحال الكافر فقال : أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر كنظائره، ومن مبتدأ، والخبر كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ وأفرد في هذا باعتبار «لفظ » من، وجمع في قوله : واتبعوا أَهْوَاءهُمْ باعتبار معناها، والمعنى : أنه لا يستوي من كان على يقين من ربه، ولا يكون كمن زيّن له سوء عمله، وهو عبادة الأوثان والإشراك بالله، والعمل بمعاصي الله، واتبعوا أهواءهم في عبادتها، وانهمكوا في أنواع الضلالات بلا شبهة توجب الشك فضلاً عن حجة نيرة.
وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وءاتاهم تَقُوَاهُمْ قال : لما أنزل القرآن آمنوا به، فكان هدًى، فلما تبيّن الناسخ من المنسوخ زادهم هدًى. وأخرج ابن المنذر عنه : فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا قال : أوّل الساعات، وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«بعثت أنا والساعة كهاتين»، وأشار بالوسطى والسبابة»، ومثله عند البخاري من حديث سهل بن سعد. وفي الباب أحاديث كثيرة فيها بيان أشراط الساعة، وبيان ما قد وقع منها، وما لم يكن قد وقع، وهي تأتي في مصنف مستقل فلا نطيل بذكرها. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، والديلمي عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«أفضل الذكر لا إله إلاّ الله، وأفضل الدعاء الاستغفار» ثم قرأ : فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ الله واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَات . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة في قوله : واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن سرجس قال :«أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأكلت معه من طعام، فقلت : غفر الله لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :«ولك»، فقيل : أنستغفر لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال :«نعم ولكم» وقرأ : واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات . وقد وردت أحاديث في استغفاره صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأمته، وترغيبه في الاستغفار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس والله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ في الدنيا وَمَثْوَاكُمْ في الآخرة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني