وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ أي من هؤلاء الكفار الذين يتمتعون ويأكلون، كما تأكل الأنعام «من يستمع إليك » وهم المنافقون، أفرد الضمير باعتبار لفظ " من "، وجمع في قوله : حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ باعتبار معناها، والمعنى : أن المنافقين كانوا يحضرون مواقف وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواطن خطبه التي يمليها على المسلمين حتى إذا خرجوا من عنده قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم وهم علماء الصحابة، وقيل : عبد الله بن عباس، وقيل : عبد الله بن مسعود، وقيل : أبو الدرداء، والأوّل أولى : أي سألوا أهل العلم فقالوا لهم : مَاذَا قَالَ ءانِفاً أي ماذا قال النبيّ الساعة على طريقة الاستهزاء، والمعنى : أنا لم نلتفت إلى قوله، و ءانفاً يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات، ومنه : أمر آنف : أي مستأنف، وروضة أنف، أي لم يرعها أحد، وانتصابه على الظرفية : أي وقتاً مؤتنفاً، أو حال من الضمير في " قال ". قال الزجاج : هو من استأنفت الشيء : إذا ابتدأته، وأصله مأخوذ من أنف الشيء لما تقدّم منه، مستعار من الجارحة، ومنه قول الشاعر :
| ويحرم سرّ جارتهم عليهم | ويأكل جارهم أنف القصاع |
وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وءاتاهم تَقُوَاهُمْ قال : لما أنزل القرآن آمنوا به، فكان هدًى، فلما تبيّن الناسخ من المنسوخ زادهم هدًى. وأخرج ابن المنذر عنه : فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا قال : أوّل الساعات، وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«بعثت أنا والساعة كهاتين»، وأشار بالوسطى والسبابة»، ومثله عند البخاري من حديث سهل بن سعد. وفي الباب أحاديث كثيرة فيها بيان أشراط الساعة، وبيان ما قد وقع منها، وما لم يكن قد وقع، وهي تأتي في مصنف مستقل فلا نطيل بذكرها. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، والديلمي عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«أفضل الذكر لا إله إلاّ الله، وأفضل الدعاء الاستغفار» ثم قرأ : فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ الله واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَات . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة في قوله : واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن سرجس قال :«أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأكلت معه من طعام، فقلت : غفر الله لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :«ولك»، فقيل : أنستغفر لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال :«نعم ولكم» وقرأ : واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات . وقد وردت أحاديث في استغفاره صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأمته، وترغيبه في الاستغفار. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس والله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ في الدنيا وَمَثْوَاكُمْ في الآخرة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني