ﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

قَالَ آنِفًا) جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - آيات رسالة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وحججه على المنافقين - صنيعهم وما أسروا في أنفسهم من الخلاف له والعداوة، فأطلع اللَّه رسوله على ما أسروا في أنفسهم وأضمروه؛ ليكون ذلك آية لرسالته، وحجة لنبوته؛ إذ علموا أن لا أحد يطلع على ما في القلوب إلا اللَّه - تعالى - فإذا أخبر رسول اللَّه لهم بما أسروا وأضمروا، وعلموا أنه إنما عرف ذلك باللَّه - تعالى - كقوله: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا)، وقوله: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)، ونحو ذلك.
ثم الناس في الاستماع إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يفرقون إلى فرق ثلاث:
فالمؤمنون كانوا يستمعون إليه للاسترشاد واستزادة الهدى، وهو كقوله - تعالى -: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا...) الآية، (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ...) الآية.
وقوله - تعالى -: (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧).
يحتمل قوله: (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) أي: أعطاهم ما اتقوا مخالفة أمره.
ويحتمل: (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) أي: يوفقهم ما يتقون مخالفة أمره من بعد في المستأنف.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: أعطاهم اللَّه ثواب أعمالهم في الآخرة؛ يقول: كلما جاء من اللَّه أمر أخذوا به، فزادهم اللَّه - تعالى - هدى (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)؛ أي: أجرهم.
وفي حرف ابن مسعود - رضي أن له عنه -: (وأنطاهم تقواهم) أي: أعطاهم، وهي لغة معروفة، أنطى: أي: أعطى، وكذلك قرأ: (إنا أعطيناك الكوثر).
وقوله - تعالى -: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) كأن هذه الآية نزلت في قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون إلا عند قيام الساعة؛ كأنه يقول: ما ينظرون لإيمانهم إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ كقوله: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)، وقوله: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)، كأنه - واللَّه أعلم - يؤيس رسوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الطمع في إيمانهم قبل ذلك الوقت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يحتمل ما ذكر من مجيء أشراطها هو رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه خاتم الأنبياء، وبه ختمت النبوة، وروي عنه أنه قال: " بعثت أنا والساعة كهاتين "، وأشار إلى

صفحة رقم 273

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية