وقال مقاتل: منتشركم بالنهار ومأواكم بالليل (١).
وقال عكرمة: متقلبكم من الأصلاب إلى الأرحام ومقامكم في الأرض (٢). وقال ابن كيسان: متقلبكم حيث تتقلبون فيه من ظهر إلى بطن ومقامكم في القبور (٣)، والمعنى: أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها.
٢٠ - قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أن المؤمنين يسألون ربهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله يحرض فيها المؤمنين (٤)، وقال في رواية الكلبي: كان المؤمنين إذا أبطأ عليهم الوحي اشتاقوا إلى نزوله فقالوا: هلا أنزلت سورة على محمد -صلى الله عليه وسلم- (٥)، والقول هو الأول: أنهم أحبوا أن ينزل سورة فيها ذكر القتال، ألا ترى أن الله تعالى قال: فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ قال قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة (٦)، وهذا معنى ما روى عطاء عن ابن عباس في المحكمة أنها ما
(٢) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" ١٠/ ١٢٧ ب، ١٢٨ أ، وانظر: "تفسير البغوي" ٧/ ٢٨٦، "زاد المسير" ٧/ ٤٠٥، "الجامع لأحكام القرآن" ١٦/ ٢٤٣.
(٣) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" ١٠/ ٢٨٠ أ، والبغوي في "تفسيره" ٧/ ٢٨٦، والقرطبي في "الجامع" ١٦/ ٢٤٣.
(٤) ذكر معنى هذا القول من غير نسبة الثعلبي في "تفسيره" ١٠/ ١٢٨ أ، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس، انظر: ٤/ ١٢٦.
(٥) ذكر معنى هذا القول من غير نسبة الماوردي في "تفسيره" ٥/ ٣٠٠، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٧/ ٤٠٥، والقرطبي ١٦/ ٢٤٣، وانظر: "تنوير المقباس" ص ٥٠٩.
(٦) أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: "تفسيره" ١٣/ ٥٤، وأورده الماوردي في "تفسيره" ٥/ ٣٠١، والثعلبي في "تفسيره" ١٠/ ١٢٨ أ، والبغوي ٧/ ٢٨٦.
أمر فيها بنصر نبي الله -صلى الله عليه وسلم-.
وروي عن ابن عباس في المحكمة أنها التي لا ينسخ ما نزل فيها (١)، وهو اختيار الزجاج، قال معنى محكمة: غير منسوخة (٢)، ونحو هذا قال الكلبي ومقاتل: إنها البينة بالحلال (٣)، والأمر والنهي لا ينسخ.
وقال عبد الله بن مسلم: سورة محكمة أي: محدثة، وسميت المحكمة محدثة؛ لأنها حين تنزل تكون كذلك حتى ينسخ منها شيء، يدل على صحة هذا أن في حرف عبد الله (فإذا أنزلت سورة محدثة وذكر فيها القتال) (٤) قال المفسرون أي: فرض فيها الجهاد (٥)، والمعنى: ذكر فيها فرض القتال، قاله الزجاج (٦).
قوله تعالى: يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ كقوله: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [الأحزاب: ١٩] وقد مر، قال ابن قتيبة: يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم وينظرون نظراً شديداً
(٢) انظر: "معاني القرآن للزجاج" ٥/ ١٢.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ص ٥٠٩، وتفسير مقاتل ٤/ ٤٨.
(٤) انظر: "تأويل مشكل القرآن" ٢/ ١٣٢، و"تفسير الطبري" ٢٦/ ٥٤. وذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" ١٠/ ١٢٨ أ، والماوردي ٥/ ٣٠٠، وصرح أنه ابن مسعود، وذكره أيضًا ابن عطية في "تفسيره" ١٥/ ٦٧، والقرطبي ١٦/ ٢٤٣.
(٥) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ٢/ ١٣٢، "زاد المسير" ٧/ ٤٠٥، "الجامع لأحكام القرآن" ١٦/ ٢٤٣.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٢.
بتحديد وتحديق، كما ينظر الشاخص بصره عند الموت من شدَّة العداوة (١).
وقال أبو إسحاق: إنما ذكر ذلك لأنهم منافقون يكرهون القتال؛ لأنهم إذا قعدوا عنه ظهر نفاقهم فخافوا على أنفسهم القتل (٢).
قوله: فَأَوْلَى لَهُمْ فيه مذاهب ثلاثة:
قال قتادة: هذا وعيد لهم وانقطع الكلام (٣)، ونحو هذا قال مقاتل والكلبي (٤)، واختاره الزجاج وابن قتيبة (٥)، وهو قول أكثر أهل اللغة (٦)، واختلفوا لم صارت هذه الكلمة للتهديد؟ فقال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: أولى لك، وليك وقاربك ما تكره وأنشد:
| فَعَادى بَينَ هَادِيَتَيْنِ مِنْهَا | وأَوْلَى أَن يَزيدَ عَلَى الثَّلاثِ (٧) |
قال ثعلب: ولم يقل أحد في (أولى لك) أحسن مما قال الأصمعي (٨)، وأبو إسحاق يختار هذا القول، ويقول: المعنى: وليهم المكروه (٩).
قال أبو العباس: وقال غير الأصمعي: (أولى) يقولها الرجل لآخر
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٢.
(٣) أخرج ذلك الطبري ١٣/ ٥٥ عن قتادف وذكره الماوردي في "تفسيره" ٥/ ٣٠١.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ٤/ ٤٨، "تنوير المقباس" ص ٥٠٩.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٢، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٤١١.
(٦) قال ذلك الطبري. انظر: "تفسيره" ١٣/ ٥٥، وانظر: "تهذيب اللغة" (ولى) ١٥/ ٤٤٨، "اللسان" (ولى) ١٥/ ٤١١، "مقاييس اللغة" (ولى) ٦/ ١٤١.
(٧) انظر: المراجع السابقة، "الدر المصون" ٦/ ١٥٣.
(٨) ذكر ذلك الأزهري في "تهذيب اللغة" (ولي) ١٥/ ٤٤٨، وانظر: المراجح السابقة.
(٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٢.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي