ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ

الصُّمِّ، عَلَى أَنَّ فِي صِيغَةِ الْمُضِيِّ فِي أَفْعَالِ: لَعَنَهُمْ، وَأَصَمَّهُمْ، وَأَعْمَى، مَا لَا يُلَاقِي قَوْلَهُ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ [مُحَمَّد: ٢٢] وَلَا مَا فِي حَرْفِ (إِنْ) مِنْ زَمَانِ الِاسْتِقْبَالِ.
وَاسْتُعِيرَ الصَّمَمُ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَسْمُوعَاتِ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ ومواعظ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا اسْتُعِيرَ الْعَمَى هُنَا لِعَدَمِ الْفَهْمِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ لِأَنَّ حَالَ الْأَعْمَى أَنْ يَكُونَ مُضْطَرِبًا فِيمَا يُحِيطُ بِهِ لَا يَدْرِي نَافِعَهُ مِنْ ضَارِّهِ إِلَّا بِمَعُونَةِ مَنْ يُرْشِدُهُ، وَكَثُرَ أَنْ يُقَالَ: أَعْمَى اللَّهُ بَصَرَهُ، مُرَادًا بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَهْدِهِ، وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ فِي مَجِيءِ تَرْكِيبِ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ مُخَالِفًا لِتَرْكِيبِ فَأَصَمَّهُمْ إِذْ لم يقل: وأعمالهم.
وَفِي الْآيَةِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ وَقَطِيعَةَ الْأَرْحَامِ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْكُفْرِ، فَهُمَا جُرْمَانِ كَبِيرَانِ يَجِبُ عَلَى الْمُؤمنِينَ اجتنابهما.
[٢٤]
[سُورَة مُحَمَّد (٤٧) : آيَة ٢٤]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤)
تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ [مُحَمَّد: ٢٣]، أَيْ هَلَّا تَدَبَّرُوا الْقُرْآنَ عِوَضَ شَغْلِ بِالِهِمْ فِي مَجْلِسِكَ بِتَتَبُّعِ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ بِعُقُولٍ غَيْرِ مُنْفَعِلَةٍ بِمَعَانِي الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ مَعَ فَهْمِهِ أَوْ لَا يَفْهَمُونَهُ عِنْدَ تَلَقِّيهِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ عَجِيبٌ.
وَالِاسْتِفْهَامُ تَعْجِيبٌ مِنْ سُوءِ عِلْمِهِمْ بِالْقُرْآنِ وَمِنْ إِعْرَاضِهِمْ عَنْ سَمَاعِهِ. وَحَرْفُ
أَمْ لِلْإِضْرَابِ الِانْتِقَالِيِّ. وَالْمَعْنَى: بَلْ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَقْفَالٌ وَهَذَا الَّذِي سَلَكَهُ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى كَلَامِ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ [٥١، ٥٢]، خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ أَوْ تَوَهَّمَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ».
وَالتَّدَبُّرُ: التَّفَهُّمُ فِي دُبُرِ الْأَمْرِ، أَيْ مَا يَخْفَى مِنْهُ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ دُبُرِ الشَّيْءِ، أَيْ خَلْفُهُ.

صفحة رقم 113

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية