الْمَدِينَةِ اشْتَدَّ تَعَهُّدُ أَهْلِ مَكَّةَ لِأَصْحَابِهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ لِيَتَطَلَّعُوا أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَعَلَّهُمْ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ كَانُوا يَكِيدُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَتَأَهَّبُونَ لِلثَّأْرِ مِنْهُمُ الَّذِي أَنْجَزُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ. وَإِمَّا الْيَهُودُ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ فَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [الْحَشْر: ١١].
فَالْمُرَادُ بِ بَعْضِ الْأَمْرِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي مَحْمَلِ قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ [مُحَمَّد: ٢٥] إِفْشَاءُ بَعْضِ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ وَإِشْعَارُهُمْ بِوَفْرَةِ عَدَدِ الْمُنَافِقِينَ وَإِنْ كَانُوا لَا يُقَاتِلُونَ لِكَرَاهَتِهِمُ الْقِتَالَ. وَالْمُرَادُ بِ بَعْضِ الْأَمْرِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي بَعْضُ أَمْرِ الْقِتَالِ، يَعْنُونَ تِلْكَ الْمَكِيدَةُ الَّتِي دَبَّرُوهَا لِلِانْخِزَالِ عَنْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْأَمْرُ هُوَ: شَأْنُ الشِّرْكِ وَمَا يُلَائِمُ أَهْلَهُ، أَيْ نُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْكُفْرِ وَلَا نُطِيعُكُمْ فِي جَمِيع الشؤون لِأَنَّ ذَلِكَ يَفْضَحُ نِفَاقَهُمْ، أَوِ الْمُرَادُ فِي بَعْضِ مَا تَأْمُرُونَنَا بِهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَصْدَرِ وَإِرَادَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ كَالْخَلْقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ.
وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُمْ قَالُوا ذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ سِرًّا فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نبيئه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ إِسْرارَهُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ سِرٍّ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَخَلَفٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مصدر أسرّ.
[٢٧]
[سُورَة مُحَمَّد (٤٧) : آيَة ٢٧]
فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧)
الْفَاءُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيعِ عَلَى جُمْلَةِ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ [مُحَمَّد: ٢٥] الْآيَةَ وَمَا بَيْنَهُمَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ [مُحَمَّد: ٢٥] بِنَاءً عَلَى الْمَحْمَلِ الْأَوَّلِ لِلِارْتِدَادِ فَيَكُونُ التَّفْرِيعُ لِبَيَانِ مَا سَيَلْحَقُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ اسْتِهْلَالٌ لِمَا يَتَوَاصَلُ مِنْ عَذَابِهِمْ عَنْ مَبْدَأِ الْمَوْتِ إِلَى اسْتِقْرَارِهِمْ فِي الْعَذَابِ الْخَالِدِ.
وَيَجُوزُ عَلَى الْمَحْمَلِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ الِارْتِدَادُ عَنِ الْقِتَالِ وَتَكُونُ الْفَاءُ فَصِيحَةً فَيُفِيدُ: إِذَا كَانُوا فَرَّوا مِنَ الْقِتَالِ هَلَعًا وَخَوْفًا فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، أَيْ كَيْفَ هَلَعُهُمْ وَوَجَلُهُمُ الَّذِي ارْتَدُّوا بِهِمَا عَنِ الْقِتَالِ. وَهَذَا يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: أَوَّلُهُمَا أَنَّهُمْ مَيِّتُونَ لَا مَحَالَةَ، وَثَانِيهُمَا أَنَّ مَوْتَتَهُمْ يَصْحَبُهَا تَعْذِيبٌ.
فَالْأَوَّلُ مَأْخُوذٌ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمرَان:
١٦٨] وَقَوْلِهِ: وَقالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التَّوْبَة:
٨١].
وَالثَّانِي هُوَ صَرِيحُ الْكَلَامِ وَهُوَ وَعِيدٌ لِتَعْذِيبٍ فِي الدُّنْيَا عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَالْمَقْصُودُ: وَعِيدُهُمْ بِأَنَّهُمْ سَيُعَجَّلُ لَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ أَوَّلِ مَنَازِلَ الْآخِرَةِ وَهُوَ حَالَةُ الْمَوْتِ. وَلَمَّا جُعِلَ هَذَا الْعَذَابُ مُحَقَّقًا وُقُوعُهُ رُتِّبَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ حَالِهِمُ اسْتِفْهَامًا مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى تَعْجِيبِ الْمُخَاطَبِ مِنْ حَالِهِمْ عِنْدَ الْوَفَاةِ، وَهَذَا التَّعْجِيبُ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهَا حَالَةٌ فَظِيعَةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ إِذْ لَا يُتَعَجَّبُ إِلَّا مِنْ أَمْرٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى الْفَظَاعَةِ.
وإِذا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الِاسْتِفْهَامِ، تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ حَالُهُمْ أَوْ عَمَلُهُمْ حِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
وَكَثُرَ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ كَيْفَ فِي أَمْثَالِ هَذَا مُقَدَّرًا مُؤَخَّرًا عَنْ كَيْفَ وَعَنْ إِذا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النِّسَاء: ٤١]. وَالتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ وَيَحْتَالُونَ.
وَجَعَلَ سِيبَوَيْهِ كَيْفَ فِي مِثْلِهِ ظَرْفًا وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْكَافِيَةِ. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْفِرَارَ مِنَ الْحَذْفِ.
وَجُمْلَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ حَالٌ مِنَ الْمَلائِكَةُ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ: وَعِيدُهُمْ بِهَذِهِ الْمِيتَةِ الْفَظِيعَةِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ لَهُمْ وَجَعَلَ الْمَلَائِكَةَ تَضْرِبُ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، أَيْ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمُ الَّتِي وَقَوْهَا مِنْ ضَرْبِ السَّيْفِ
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
محمد الطاهر بن عاشور