تفسير المفردات : يضربون وجوههم وأدبارهم : أي يتوفونهم وهم على أهوال الأحوال وأفظعها.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أن أولئك المنافقين أبعدهم الله عن
الخير، فأصمهم فلم ينتفعوا بما سمعوا وأعمى أبصارهم فلم يستفيدوا بما أبصروا – بين أن حالهم دائرة بين أمرين : إما أنهم لا يتدبرون القرآن إذا وصل إلى قلوبهم ؛ أو أنهم يتدبرون ولكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة ؛ ثم ذكر أنهم رجعوا إلى الكفر بعد أن تبين لهم الهدى بالدلائل الواضحة، والمعجزات الباهرة، وقد زين لهم الشيطان ذلك وخدعهم بباطل الأماني، ثم بين سبب ارتدادهم وهو قولهم لبني قريظة والنضير من اليهود : سنطيعكم في بعض أحوالكم وهو ما حكى عنهم في قوله : ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم ( الحشر : ١١ ) والله يعلم ما يصدر عنهم من كل قبيح.
ثم أردف هذا ذكر ما يصادفونه من الأهوال إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم بسبب اتباعهم أهواءهم وعمل ما يغضب ربهم، ومن ثم أحبط أعمالهم، وهل يعتقد هؤلاء المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين ؟ بل إنه سيوضح ذلك لذوي البصائر، ولو نشاء لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عيانا، ولكن لم نفعل ذلك، سترا منا على عبادنا، وحملا للأمور على ظاهر السلامة، وردا للسرائر إلى عالمها، وإنك لتعرفنهم فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، بمغامز يضعونها أثناء حديثهم، وقد كان يفهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفهم مراميها فلا تخفى عليه.
ثم ذكر أنه يبتلي عباده بالجهاد وغيره، ليعلم الصادق في إيمانه، الصابر على مشاق التكاليف، من غيره، ويختبر أعمالهم حسناتهم وسيئاتهم فيجازيهم بما قدموا : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره( ٧ )ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( الزلزلة : ٧- ٨ ).
الإيضاح : فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم أي فكيف يفعلون إذا جاءتهم ملائكة الموت لقبض أرواحهم على أقبح الوجوه وأفظعها، وقد مثل ذلك بحال يخافونها في الدنيا، ويجبنون عن القتال من أجلها، وهو الضرب على الوجوه والأدبار، إذ في يوم الوفاة لا نصرة لهم ولا مفر، فكيف يحترزون من الأذى، ويبتعدون من العذاب ؟.
تفسير المراغي
المراغي